Article image
الصور الأصلية: ماركوس مانت عبر أنسبلاش وواين بوينتوكس عبر بيكساباي | تعديل: إم آي تي تكنولوجي ريفيو العربية



استطاع فريقٌ من الفيزيائيين بناء حساس كمومي يستطيع استخلاص درجة حرارة شديدة البرودة لإحدى الحالات الفريدة للمادة، والمعروفة باسم: غاز فيرمي.

2020-09-09 10:52:38

09 سبتمبر 2020

تعد الحرارة من الخصائص الفيزيائية الأساسية التي يمكن عبرها وصف النظم والمواد من حولنا، سواء كانت كبيرة يمكن مشاهدتها بالعين المجرّدة، أو دقيقة وصغيرة يتوجب استخدام تقنيات متقدمة ومعقدة لإدراك وجودها، مثل الذرات والجسيمات دون الذرية. من حيث المبدأ، تعتمد مقاييس الحرارة على آليةٍ بسيطة من أجل معرفة درجة حرارة الجسم أو المادة المعنية؛ حيث يؤدي التفاعل بين المقياس والجسم المراد قياس حرارته إلى حدوث تغيرٍ ما في بنية المقياس نفسه، بحيث يكون التغير نفسه متوافقاً مع درجة حرارة الجسم. أبسط مثال على ذلك هو مقاييس الحرارة الزئبقية التقليدية، التي نستطيع عبرها قياس درجة حرارة جسم الإنسان عبر تمدد الزئبق ضمن الغلاف الزجاجيّ بفعل تأثره بحرارة الجسم.

عند الحديث عن العالم الذريّ وعالم الجسيمات دون الذرية، فإن الأمور ستكون مختلفةً بعض الشيء، ليس بسبب اختلاف مبدأ قياس الحرارة، ولكن بسبب اختلاف خصائص وتعقيدات هذا العالم الذي تحكمه قوانين وقواعد ستبدو لنا غير منطقية، وهي قوانين ميكانيك الكم التي تطورت بفضل أعمال علماء في القرن التاسع العشر مثل جيمس كلارك ماكسويل ولودفيج بولتزمان ودورهما البارز في تطوير قواعد الميكانيك الإحصائيّ، ومن ثم علماء مثل ماكس بلانك وفيرنر هايزنبرج وإرفين شرودينجر ومساهماتهم الجليلة في نشوء الفيزياء الكمومية وميكانيك الكم. نتج عن قوانين ميكانيك الكم العديد من التنبؤات المتعلقة بسلوك الذرات، ومنها أنه يمكن للذرات المنفردة أن تمتلك خصائص الموجات، وذلك تحت درجة حرارة منخفضة للغاية.

تم إثبات هذه الحالات بشكلٍ تجريبيّ في السابق، أي الحالة الموجية للذرات عند درجات الحرارة شديدة الانخفاض. ويستطيع علماء الفيزياء اليوم إجراء تجارب بحثية مختلفة من أجل فهم ودراسة الحالات المختلفة للمادة عند هذه الظروف الشديدة؛ وللتوضيح، فإن درجات الحرارة اللازمة لحصول مثل هذه الظواهر تقل عن واحد كلفن بمليارات المرات، وبالنسبة لسلم الحرارة المئوي، فإن كلفن واحد يعادل -271.15 درجة مئوية. بمعنى آخر، تمثل هذه الحالات -التي تُعرف أيضاً باسم: الغازات شديدة البرودة (Ultracold Gases) أو الغازات الكمومية شديدة البرودة (Quantum Ultracold Gases)- أخفضَ درجات حرارة معروفة في الكون.

من بين هذه الحالات الفريدة التي يمكن أن تكتسبها الذرات والجسيمات عند درجات الحرارة شديدة الانخفاض، يبرز اسم حالة تُعرف باسم غاز فيرمي (Fermi Gas)، التي تمت تسميتها بذلك تيمناً بعالم الفيزياء الإيطالي إنريكو فيرمي. ولتوضيح ماهية غازات فيرمي، يجب أن نفهم في البداية أمراً أساسياً في الفيزياء: كل الذرات والمركبات والجزيئات التي نعرفها وندرسها مكونة من نوعين أساسيين من الجسيمات: البوزونات، وأشهر مثال عليها هو الجسيمات الحاملة لطاقة الإشعاع الكهرومغناطيسي (أي الفوتونات)، والفرميونات وأشهر مثال عليها هو الإلكترونات، أي الجسيمات الحاملة لطاقة الشحنة الكهربائية السالبة. تتكون غازات فيرمي من الفرميونات، وهنا تكمن المشكلة؛ بسبب الخصائص والطبيعة التي تمتلكها الفرميونات فإنها تتصف بأنها غير قادرة على التجاذب والتجمع مع بعضها البعض، ولنتذكر أن المثال الأشهر عليها هي الإلكترونات، ونحن نعلم من الفيزياء الابتدائية أن الإلكترونات في حالة تنافر. على صعيدٍ آخر، يمكن قياس درجة حرارة غاز شديدة البرودة عبر معرفة كثافة المادة الموجودة ضمنه، وفي حالة غازات فيرمي، ونظراً لطبيعة الجسيمات التي تكونها، فإنه من الصعب جداً تحديد درجة حرارتها عبر معرفة كثافة المادة ضمنها.

هذا الأمر شكل دافعاً لبحثٍ رائدٍ جديد لفريقٍ بحثيّ من كلية ترينيتي في دبلن، الذي وضع أمامه هدف قياس درجة حرارة فائقة الانخفاض لحالة المادة المعروفة باسم غاز فيرمي. ومن أجل مواجهة المشكلة المرتبطة بصعوبة قياس درجة حرارة غاز فيرمي، قام الفريق بتطوير مقياس حراري كموميّ يعتمد على مبدأ التشابك الكمومي (Quantum Entanglement)؛ من أجل الوصول لقياسٍ دقيقٍ وفعال يعطي صورة أفضل عن خصائص المادة وسلوكها ضمن هذه الحالة الفريدة.

وضح أعضاء الفريق البحثيّ المنهجيةَ التي اتبعوها من أجل التصدي لهذه المشكلة ضمن الإعلان الرسميّ للبحث الخاص بهم على موقع كلية ترينتي؛ حيث قاموا بإحداث تعديلٍ في بنية المادة التي يريدون قياس حرارتها، وذلك عبر إدخال عدة ذراتٍ من مادةٍ مغايرة، وهو ما سيؤدي لحدوث تصادماتٍ مع الذرات المجاورة لها، أي ذرات المادة المشكلة للغاز شديد البرودة. اعتماداً على مبدأ التوضع الفائق الكمومي (Quantum Superposition)، فإن الذرات المدخلة ستكون في حالة تصادم وعدم تصادم مع ذرات المادة المشكلة للغاز في آنٍ واحد معاً. ما قام به الباحثون هو إثبات أن حالة التوضع الفائق هذه تتغير بشكلٍ يتناسب مع درجة حرارة الغاز شديد البرودة، وهكذا استطاعوا بناء مقياس حرارة يعتمد على مبادئ ميكانيك الكم من أجل استخلاص درجة حرارة تعود لإحدى الحالات الفريدة للمادة، والموصوفة أيضاً على أنها أبرد درجات الحرارة المعروفة في الكون.

 تم نشر نتائج الدراسة الجديدة ضمن ورقة بحثية في مجلة فيزيكال ريفيو ليترز (Physical Review Letters).


شارك