Article image




يحاول الجميع تجنب الإصابة بفيروس كورونا، لكن التوصل إلى دليل واضح على اللقاح يستلزم إصابة البعض به.

2020-05-27 13:03:16

27 مايو 2020

يتقدّم البرنامج الذي يطمح إلى التوصل إلى لقاح لفيروس كورونا بشكل أسرع مما كان يأمله أي شخص. فقد ثبت أن أربعة لقاحات تجريبية على الأقل تمنح الحماية للقرود، وقد تم بالفعل إعطاء ثلاثة من هذه اللقاحات لمتطوعين شجعان من البشر.

يتمثل الهدف في التوصل إلى لقاح بحلول شهر يناير، بغض النظر عن تكلفته؛ ففي 21 مايو، قالت الولايات المتحدة إنها ستدفع 1.2 مليار دولار من أجل لقاح يتم تطويره من قبل جامعة أكسفورد وشركة أسترازينيكا، الأمر الذي يعدّ جزءاً مما أطلق عليه الرئيس دونالد ترامب عملية “أوبريشن وورب سبيد”.

إنها أخبار جيدة، ويعتقد العديد من العلماء أن اللقاح أصبح ممكناً. لكن العقبة التالية هي الأكبر، وتتمثل في إثبات الفعالية الحقيقية للقاح المرشح.

بحلول أوائل الصيف، من المتوقع أن نشهد قيام الباحثين بمحاولة إطلاق العديد من دراسات الفعالية الضخمة التي تشمل آلاف المتطوعين. سيكون هذا الجزء لاختبار اللقاح هو الأكثر تكلفة، وكذلك الأصعب من ناحية تسريعه؛ وذلك لأنه سيتعين على الباحثين الانتظار حتى يصاب الأشخاص المشاركين في الدراسة بالعدوى عن طريق الصدفة، ثم التحقق من عدد المرات التي يُصاب فيها أولئك الذين أخذوا اللقاح بالمرض.

الرئيس ترامب مع أنتوني فوشي، مدير المعهد الوطني الأميركي للحساسية والأمراض المُعدية، وأليكس عازار، وزير الصحة والخدمات البشرية، في شهر مارس بعد عودتهم من مركز أبحاث اللقاحات في المعاهد الوطنية للصحة في المملكة المتحدة.
مصدر الصورة: درو أنغرر | صور جيتي

ويقول ستانلي بلوتكين، الرئيس السابق لقسم اللقاحات في شركة سانوفي: “دائماً ما يكون ذلك الجزء هو الأكثر تكلفة في تطوير اللقاح وأطول مراحله الثلاث”. ويضيف بأن الإطار الزمني “يعتمد على معدل الإصابة بالمرض” أكثر من أي شيء آخر.

ولم يسبق أن شهدنا جهداً عالمياً لإعداد لقاح في مثل هذه الفترة القصيرة؛ إذ دفعت التقنيات الجديدة الشركات المصنّعة للأدوية إلى التحرك بسرعة، ولم يسبق للهيئات التنظيمية أن تقدّمت في إجراءاتها الورقية بهذه السرعة. ولكن مع تراجع فيروس كورونا في مدن مثل نيويورك -حيث انخفض عدد الحالات الجديدة من أكثر من 6000 في اليوم إلى أقل من 600- فإن تلك الجهود الناجحة لتثبيط المرض قد تجعل اختبار اللقاح أصعب.

وتقول الشركات المصنّعة للقاحات بأن ذلك مصدر قلق؛ حيث قال تال زاكس، المدير الطبي في شركة مودرنا، التي كان لقاحها الذي يعتمد على الحمض النووي الريبي المرسال هو أول لقاح يدخل الدراسات البشرية في شهر مارس، في حديثه مع محللي وول ستريت في مكالمة جماعية أجريت مؤخراً: “يكمن التحدي في كيفية التأكد من وجود حالات كافية. إذا توجهت لإعطاء اللقاح للكثير من الناس، فلا يهم عددهم إذا لم يكن هناك فيروس ينتشر بينهم”.

المفارقة هي أن العملية ستسير بشكل أسرع إذا استمرت جائحة فيروس كورونا بالتفاقم. ومن المتوقع أيضاً أن يختار الباحثون في مجال اللقاحات الكادر التمريضي والطبي والفئات الأخرى المعرضة للخطر للمشاركة في دراساتهم، وبالتالي تكون هناك فرصة أكبر لإصابتهم بالفيروس. وسينصحون الناس بالحفاظ على سلامتهم، حتى مع رغبتهم في أن يصاب بعضهم بالمرض.

ويقول آرثر كابلان، عالم الأخلاقيات الحيوية في مركز لانجون هيلث بجامعة نيويورك: “لا يزال من الواجب مطالبة الأشخاص بمحاولة تجنب الإصابة. ولا يجب إخبارهم بالتوقف عن ارتداء الكمامة أو مقابلة الناس في الأماكن المغلقة. سيكون ذلك بمثابة معضلة غريبة، أليس كذلك؟ يحاول العالم السيطرة على الأمر، وأنا معجب بذلك، لكنه يقوّض القدرة على دراسة اللقاح”.

تصميم التجارب

في حين أن الشركات هي التي تقرر تصميم التجربة، إلا أنها تحتاج في الولايات المتحدة إلى الحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء، التي سبق لها وأن قالت إنها تتوقع رؤية تجارب عشوائية مزدوجة التعمية، والتي تعتبر الطريقة الأفضل لإثبات فعالية العلاج حقاً.

وهذا يعني أنه في الدراسات الكبيرة التي ستبدأ هذا الصيف، سيحصل بعض الأشخاص على لقاح حقيقي، بينما سيحصل البعض الآخر على لقاح وهمي على الأرجح. ثم سيقوم الباحثون بالاستقصاءات لمعرفة عدد المصابين بالفيروس في كل مجموعة.

ووفقاً لكلينتون هيرميس، المحامي في شركة بيس بيري أند سيمز والمستشار الخارجي لتحالف الابتكار من أجل التأهب للوباء، فإن “اللقاح الوهمي” ضروري لإبقاء العلماء والأشخاص المشاركين في حالة عدم معرفة بمن أخذ اللقاح فعلاً. ويقول هيرميس: “إن معرفة من أخذ اللقاح يمكن أن يؤدي إلى تحيّز الباحثين دون وعي منهم في طريقة جمع البيانات، وإلى تحيّز سلوك المشاركين أيضاً. ما سيحدث هو أنه إذا قيل للناس بأنهم قد أخذوا اللقاح، فمن المرجح أن يعرضوا أنفسهم للفيروس بشكل أكثر مما لو كانوا غير متأكدين. إنها مجرد طبيعة بشرية تجعلهم ينخرطون في سلوكيات أكثر خطورة إذا كانوا يعتقدون بأنه تم إعطاؤهم اللقاح”.

الإسراع في العملية

حتى تقوم شركات اللقاحات بإجراء دراساتها، من المرجح أن تبحث عن متطوعين من بين الفئات الأكثر عرضة للخطر في المدن الكبيرة وكثيفة السكان، وذلك وفقاً لسينثيا دوكس، نائبة رئيس خدمات تطوير الأدوية في شركة آيكون للأبحاث السريرية، والتي تنسق العديد من اللقاحات والتجارب الدوائية لفيروس كورونا.

وتقول إن معظم الأشخاص الذين سيتم إعطاؤهم اللقاح سيكونون على الأرجح من العاملين في الاستجابة الأولية أو العاملين في مجال الرعاية الصحية أو أفراد الحرس الوطني. وتضيف: “إنها فئة جيدة لاستهدافها والحصول على إجابة. نحن نريدهم أن يكونوا من المعرّضين لخطر الإصابة. إذا كانوا من المقيمين في منازلهم، فلن ينجح الأمر”.

وتقول دوكس إنها رأت مسودات خطط لتجارب لقاحات تشمل 6000 إلى 10000 متطوع، حيث قدّر الباحثون أن ما يصل إلى 3.7% من المتطوعين سيتعرضون للإصابة بالفيروس. وهذا يعني أنهم يتوقعون حوالي 100 إلى 150 إصابة عند الأشخاص الذين يتلقون اللقاح الوهمي وعدداً أقل -أو 0 من الناحية المثالية- عند أولئك الذين سيتم إعطاؤهم اللقاح. سيكون ذلك دليلاً إحصائياً على فعالية اللقاح.

وسيتم خلال التجارب فحص الأشخاص بانتظام لمعرفة ما إذا كانوا مصابين أيضاً أم لا. وتقول دوكس: “في الدراسة السريرية، يتم إجراء الاختبار عند وجود أول علامة على الزكام”.

ووفقاً لدوكس، من الممكن تسريع الدراسات عن طريق ملئها بالمشاركين بسرعة أكبر. وتتوقع بأن ذلك لن يمثل مشكلة؛ لأن المتطوعين يتصلون بالآلاف. هناك طريقة أخرى لإجرائها بشكل أسرع، وهي من خلال جعلها أكبر ببساطة. وهذا ما أشارت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية بأنها تخطط للقيام به في تجربة شركة أسترازينيكا، التي قالت إنها ستشمل 30 ألف شخص في الولايات المتحدة.

وكما هي الحال في سباق الخيول، يمكن أن ينتهي المطاف بعملية أوبريشن وورب سبيد ​​بدعمها لتجارب العديد من الشركات المتنافسة على إنتاج اللقاح. وهذا يعني أن إجمالي العدد المطلوب من المتطوعين قد يرتفع إلى أكثر من 150 ألفاً، حسبما ذكرت رويترز. ولكن من غير الواضح ما إذا كان سيتواجد عدد كافٍ من حالات الإصابة بفيروس كورونا أم لا. وقال أدريان هيل، العالِم بجامعة أكسفورد الذي كان وراء لقاح شركة أسترازينيكا، إنه يعتقد أن هناك احتمالاً نسبته 50% ألا تؤدي التجربة إلى “أي نتيجة على الإطلاق”.

وقال هيل لصحيفة التلغراف: “إنه سباق ضد الفيروس وهو يختفي”.

وكانت شركة الأدوية البريطانية قد تعهدت بتجهيز 300 مليون جرعة بحلول شهر أكتوبر، لكن البعض يشككون في أن تتمكن التجارب الكبيرة من تقديم إجابات خلال ذلك الوقت القصير. ويقول كابلان: “يستمر الخبراء في القول بأننا سنحصل على لقاح في فصل الخريف، ولكن لن يكون لدينا أي بيانات حتى بحلول ذلك الوقت”. ويضيف بأنه سيكون “من المستحيل من الناحية الأخلاقية” توزيع لقاح قبل وجود دليل على أنه فعال بشكل آمن. ويقول: “لن يأخذه الناس. قد تكون قلقاً أيضاً بشأن أحد التأثيرات الجانبية الذي يحدث بنسبة 1 من كل 25000. هذا أمر نادر الحدوث، ولكن عند إعطاء اللقاح لمليار شخص، فستصبح التأثيرات النادرة نسبياً أكثر شيوعاً”.

وكان أنتوني فوشي، رئيس المعاهد الوطنية الأميركية للحساسية والأمراض المُعدية، قد توقّع أن تستغرق التجربة الكبيرة أربعة أو خمسة أشهر على الأقل لإظهار أدلة كافية على فعالية اللقاح؛ إذ قال في جلسة استماع في مجلس الشيوخ في شهر مايو: “إذا نجحنا، فإننا نأمل أن نعرف ذلك في أواخر الخريف وبداية الشتاء”.

ويوافقه هيرميس، المحامي في مجال اللقاحات، على أنه “لن يحدث نشر أي شيء بين عموم السكان دون وجود دليل على فعاليته”، لكنه يعتقد بأن الحكومات ستسمح على الأرجح بالاستخدام الطارئ للقاح عند العاملين في الخطوط الأمامية حتى قبل الحصول على جميع البيانات، وربما يكون ذلك في غضون بضعة أشهر. ويقول: “إذا كان اللقاح يتمتع بسلامة جيدة ويحتمل بأنه فعال، فقد ترى أشخاصاً يعملون في الخطوط الأمامية يحصلون عليه”.

ارتباطات المناعة

مع استمرار ظهور دلائل، يتابع العالم بأسره أي تلميح بأن اللقاح من شأنه أن ينهي أزمة فيروس كورونا؛ ففي 18 مايو، أدت شركة مودرنا للصناعات الدوائية إلى ارتفاع سوق الأسهم الأميركية بالكامل بنسبة 4% تقريباً بعد أن قالت إن المتطوعين الذين حصلوا على لقاحها في تجربة للسلامة تشكّلت لديهم أجسام مضادة بمستويات مشابهة للمرضى الذين تعافوا من فيروس كورونا، في إشارة إلى أن  لقاحها قد يكون فعالاً.

وكانت الأجسام المضادة عند بعض المتطوعين “لها أثر محايد”، ما يعني أنها أبطلت مفعول الفيروس عندما تم اختبار بلازما الأشخاص في طبق بتري.

وقد تمت مهاجمة الشركة بسرعة بسبب قيامها بنشر “العلم من خلال بيان صحفي“، لكن فوشي، الذي تقوم وكالته باختبار لقاح شركة مودرنا، يقول إن هناك سبباً وجيهاً للاعتقاد بإمكانية نجاحه. وقال للسناتور ميت رومني خلال جلسة استماع مجلس الشيوخ: “إن احتمال نجاحه ليس قليلاً بالتأكيد. يؤدي هذا الفيروس إلى توليد استجابة مناعية، ويتعافى الناس منه… إن الحقيقة المتمثلة في قدرة الجسم على القضاء على الفيروس من تلقاء نفسه تدل على أنه يمكننا -من حيث المفهوم على الأقل- تحفيز الجسم بواسطة لقاح من شأنه إحداث استجابة مماثلة”.

يعدّ هذا الوضع مختلفاً تماماً عن فيروس مرض الإيدز؛ حيث لا يتمكن الناس أبداً من هزيمة الفيروس بشكل طبيعي (مع وجود استثناءات نادرة لذلك)، وهو أمر قد يفسر سبب فشل لقاحات الإيدز مراراً وتكراراً. وعلى النقيض من ذلك، يتمكن 99 شخصاً من كل 100 شخص مصاب بفيروس كورونا من البقاء على قيد الحياة، ويبدو أنهم يقضون على الفيروس في النهاية.

وتعتبر البيانات الأولية المأخوذة من تجربة شركة مودرنا مثالاً لما تسميه الشركات المصنّعة للقاحات “ارتباطات المناعة”. فالارتباط هو شيء يمكن قياسه، مثل مستويات الأجسام المضادة، ويمكن أيضاً التسبب في زيادته إلى مستوى معين باستخدام اللقاح. ما تحتاج الشركة إلى إثباته الآن في تجربة الفعالية هو ما إذا كانت هذه العوامل يمكنها أن تنذر بحماية حقيقية ضد الفيروس، أو أن تسببها بالفعل.

ويقول بلوتكين: “هناك الكثير من أنواع الاستجابات المناعية. وبالتالي، ما هي هذه الأنواع التي يتم تشكيلها، وأيها هو المسؤول عن الحماية إذا كانت هناك حماية؟ هذا هو السؤال. لا تعدّ الأجسام المضادة التي لها أثر محايد كافية دائماً، لكنها تخمين جيد؛ فهي أساس الحماية بالنسبة للعديد من الأمراض، ولكنها ليست دائماً كذلك”.

ما الذي قد يسير بشكل خاطئ؟

الأمر الاستثنائي الآن هو أن لقاحات فيروس كورونا تتقدم نحو اختبارات كبيرة على الرغم من أن الجهود العلمية الموازية لها لفهم استجابة الجسم المناعية للفيروس ما تزال في مراحلها المبكرة. ويشبّه زاكس، المدير الطبي في شركة مودرنا، العملية “بالتحليق بالطائرة” أثناء صنعها.

وترتفع بعض الأصوات لتحذر من أن عملية أوبريشن وورب سبيد ​​يمكن أن تتحطم بسهولة أثناء انطلاقها. وقال ريك برايت، الرئيس السابق للوكالة الأميركية المسؤولة عن دفع اللقاح، للمشرّعين في 14 مايو: “عادةً ما يستغرق إعداد اللقاح ما يصل إلى 10 سنوات. هناك الكثير من التفاؤل في الأرجاء حول إطار زمني يتراوح من 12 إلى 18 شهراً، إذا سار كل شيء بشكل مثالي. ولكننا لم نشهد قط سير كل شيء بشكل مثالي”.

فماذا الذي يمكن أن يسير بشكل خاطئ؟ تقول دوكس، التي تقوم بإجراء دراسات بالنيابة عن الشركات، إنه عادةً ما يكون التصنيع حسب خبرتها. إذا حدثت مشكلة في زيادة الإمدادات، فقد تواجه العملية انتكاسة كبيرة، لأنه من المفترض أن يُبنى كل شيء على منتج متطابق، بدءاً من الدراسات الحيوانية إلى الدراسات البشرية.

من جانبه، يقول بلوتكين إن الإشكال المعتاد للقاح هو أن يختار الباحثون الجزء الخطأ من الفيروس لإدخاله فيه أو فشلهم في حقن ما يكفي من المادة. وفي أحيان أخرى، تكون بيولوجيا الفيروس هي المشكلة، كما هي الحال مع فيروس مرض الإيدز، الذي يقوم بتغيير شكله ويهاجم جهاز المناعة.

ومن المعروف أيضاً أن اللقاح الفعال تماماً قد يفشل في إحداث فرق لسبب أكثر بساطة، وهو عدم أخذه من قِبل الناس.

يحدث هذا الأمر بشكل أكثر مما تعتقد؛ فالكثير من الناس لا يكترثون بلقاحات الأنفلونزا، وتقوم حركات مضادة للقاحات بإثارة الخوف، وهناك مناطق من العالم لا تصلها أبداً لقاحات للأمراض التي يمكن الوقاية منها.

مع فيروس كورونا، لا تزال جميع هذه المشاكل تلوح في الأفق. وهناك أيضاً حقيقة متمثلة بأنه سيكون من الصعب صنع اللقاح بكمية كافية للجميع؛ إذ قال زاكس عن لقاح شركته: “في سياق الجائحة، نتوقع أن يفوق الطلبُ العرضَ بكثير”. ووافقه في ذلك الرئيس التنفيذي للشركة، ستيفان بانسل، خلال المكالمة التي أجريت مع محللي الأسهم بقوله: “ثقوا في كلامي، لم يكن جزءاً من خطة عملنا إعدادُ مليار جرعة”.


شارك



المحرر الرئيسي في مجال الطب الحيوي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو.