Article image




نوع جديد من الفن الرقمي يسمى (NFT art) أو المقتنيات القائمة على الرموز غير القابلة للاستبدال، يعتمد على تقنية البلوك تشين لضمان الأصالة وحقوق الملكية.

2021-04-04 20:18:19

01 مارس 2021

خلال الأسابيع الأخيرة، تزايد الضجيج الإعلامي حول نوع جديد من الفن، أو لنقل: طفرة جديدة في بيع وشراء الفن الرقمي. وبدأنا نسمع عن لوحات رقمية تسمى “الفن القائم على الرموز غير القابلة للاستبدال” تباع بمئات الآلاف من الدولارات. فما الذي يحدث حقاً؟ وما هي الرموز غير القابلة للاستبدال؟ هل ندخل حقبة فنية جديدة؟ أم هو هوس جماعي؟

ما هي الرموز غير القابلة للاستبدال (NFT)؟

الرمز غير القابل للاستبدال (Non-Fungible Token) أو (NFT) هو نوع من الرموز المميزة التي تنطوي على استخدام تقنية البلوك تشين لتشفيرها وربطها بأصل رقمي فريد (مثل الأعمال الفنية الرقمية أو الموسيقى أو مقاطع الفيديو)، ولا يمكن إنتاج مثيل مطابق له وتشبه بذلك المقتنيات عالية القيمة.

على سبيل المثال، إذا قام منشئ المحتوى بعرض بيع قطعة فنية قائمة على الرموز غير القابلة للاستبدال، فإن المشتري سيدفع ثمنها لقاء رمز مميز يمثل الأصل ويمكنه بعد ذلك إثبات أصالة العمل الفني وملكيته له بالاعتماد على البلوك تشين.

وتتميز هذه الرموز عن غيرها من العملات المشفرة مثل بيتكوين وإيثريوم بأنها غير قابلة للاستبدال؛ ففي حين يمكن استبدال أي عملة بيتكوين بعملة أخرى بيتكوين، فإن الرموز غير القابلة للاستبدال فريدة ولا يمكن لرمز منها أن يمثل بديلاً مكافئاً لرمز آخر. ولذلك يتم التعامل معها باعتبارها مقتنيات مثل لوحة فنية فريدة أو حجر كريم نادر.

على سبيل المثال، إذا استدنت ورقة نقدية قيمتها 100 دولار من صديقك، يمكنك سداد دينك لاحقاً بأي ورقة نقدية من فئة 100 دولار، ولا ينبغي عليك أن تعيد لصديقك نفس الورقة النقدية التي تحمل نفس الرقم المتسلسل؛ لأن أي ورقة نقدية من نفس الفئة تحمل نفس القيمة. وعلى النقيض من ذلك، فإن كل رمز (NFT) يمتلك قيمة مميزة عن أي رمز آخر، وهذا التميز يملي تفرد الرمز، وبالتالي عدم قابليته للاستبدال.

يجري استخدام هذه الرموز في العديد من المجالات بمنزلة مقتنيات فريدة، مثل ألعاب الفيديو والأعمال الفنية الرقمية وشراء وبيع الأصول الرقمية في عوالم افتراضية وحتى شراء القطط الرقمية! ووفقاً لموقع نان فانجيبل، فإن عدد مشتري المقتنيات الرقمية القائمة على الرموز غير القابلة للاستبدال ارتفع بنسبة 66% خلال عام 2020، وارتفعت قيمة التعاملات فيها من 63 مليون دولار إلى 250 مليون دولار في العام نفسه.

خصائص الرموز غير القابلة للاستبدال (NFT)

تتمتع هذه الرموز بالخصائص التالية:

  1. نادرة: تنبع قيمتها من ندرتها؛ فعلى الرغم من قدرة مطوريها على إنشاء كميات غير محددة منها، إلا أنهم يحددون كميتها بهدف زيادة ندرتها وبالتالي رفع قيمتها.
  2. غير قابلة للتجزئة؛ أي لا يمكن تقسيمها إلى وحدات أصغر مثل البيتكوين، فإما أن تشتريها كاملة أو لا تشتريها على الإطلاق.
  3. فريدة، لا يوجد عمل فني قائم على هذه الرموز مطابق لعمل آخر، ويتم تسجيل معلومات كاملة عنها مثل مالكها وتاريخها لتمثل بذلك ما يشبه شهادة التوثيق.

مميزات الرموز غير القابلة للاستبدال (NFT)

 تتميز بما يلي:

  1. قابلة للنقل والتحويل؛ يتم شراء أو بيع هذه الرموز في أسواق خاصة، لكن قيمتها تعتمد دوماً على تفردها. وحتى تتمكن من شرائها، لا بد من استخدام عملات مشفرة مثل إيثيريوم (ETH) أو وورلد أسيت إكستشانج (WAX).
  2. أصلية؛ حيث إن اعتمادها على تقنية البلوك تشين يضمن أنها أصلية، نظراً لصعوبة -إن لم يكن استحالة- إنشاء كتل مزيفة في السجل الموزع الذي تستخدمه هذه التقنية.
  3. تحافظ على حقوق الملكية؛ إذ لا يستطيع أحد كما ذكرنا أن يتلاعب ببيانات السجل الموزع.

مقتنيات الفن الرقمي القائمة على الرموز غير القابلة للاستبدال (NFT Art)

جعلت هذه الخصائص والمميزات من الرموز غير القابلة للاستبدال وسيلة مغرية لمنتجي الصور والفيديوهات الرقمية ولجامعي المقتنيات الرقمية على حد سواء لتوثيق الأعمال الفنية والحفاظ على أصالتها، وبالطبع تحقيق الربح منها. وبينما يستطيع أي شخص مشاهدة العمل الفني الرقمي على إنستقرام، فإن تقنية البلوك تشين -وعملية التوثيق التي توفرها- جعلت من هذه الأعمال مقتنيات نادرة، مثل لوحة لفان كوخ أو بطاقة كرة سلة (Basketball Card) نادرة على غرار تلك التي كان سيبيعها بروس ويليس في فيلم كوب آوت (Cop Out) مقابل مبلغ كبير يكفي لدفع تكاليف زواج ابنته.

وقد شهد النصف الأخير من عام 2020 قيام منتجي الأعمال الفنية الرقمية ببيع منتجاتهم بأعلى الأسعار؛ على سبيل المثال، في سبتمبر 2020 بيع عمل فني قائم على الرموز غير القابلة للاستبدال مقابل 262 إيثيريوم أي ما يعادل في حينه 101.000 دولار. ويحمل هذا العمل الفني “القابل للبرمجة” اسم “المكان الصحيح والزمان الصحيح”، وهو عبارة عن صورة تتغير تبعاً لتغير سعر البيتكوين خلال آخر 24 ساعة.

المكان الصحيح والزمان الصحيح

العمل الفني “المكان الصحيح والزمان الصحيح”.
مصدر الصورة: أسينك آرت (async.art)

وفي أكتوبر، باعت دار المزادات الشهيرة كريستيز أول عمل فني قائم على الرموز غير القابلة للاستبدال مقابل 131,250 دولاراً، للوحة تحمل اسم بلوك21، وتمثل تصور الفنان بين جينتيلي لشخصية مؤسس عملة البيتكوين ساتوشي ناكاموتو المجهولة. وتكمن فرادة هذه الصورة في وجود نسخة فيزيائية منها، وتتغير إضاءة اللوحة الرقمية بين الليل والنهار تبعاً لموقع وجود اللوحة الفيزيائية.

وفي ديسمبر الماضي، باع الفنان المشهور باسم بيبل (Beeple) -واسمه الحقيقي مايك وينكلمان- مجموعة من الأعمال الفنية الرقمية القائمة على الرموز غير القابلة للاستبدال مقابل 777,777.77 دولاراً عبر الموقع المتخصص بهذا النوع من المقتنيات الرقمية نيفتي جيتواي. وتوظف هذه الأعمال الثقافة الشعبية والتكنولوجيا للتعبير عن أفكار الفنان ومشاعره حول أسلوب حياتنا.

اللوحة الفنية الرقمية القائمة على الرموز غير القابلة للاستبدال بلوك 21.
مصدر الفيديو: أسينك آرت (async.art)

وقد أعلنت دار كريستيز قبل أيام عن مزاد علني عبر الإنترنت حصراً لبيع صورة موزاييك تجمع مجموعة أعمال فنية للفنان بيبل تسمى “كل الأيام: أول 5000 يوم”، بدأ يوم 25 فبراير وسيستمر حتى 11 مارس. وتضم المجموعة صوراً رقمية “مستقبلية” قام بيبل بإنشاء واحدة منها كل يوم لحوالي 13 عاماً بدءاً من 1 مايو عام 2007 وحتى 7 يناير 2021.

مجموعة بيبل بعنوان (كل الأيام)

“كل الأيام” مجموعة بيبل التي تباع في المزاد الآن عبر دار كريستيز.
مصدر الصورة: دار كريستيز

تجدر الإشارة إلى أن أحد الأعمال الفنية التي باعها بيبل في ديسمبر الماضي مقابل 66 ألف دولار، تم بيعه مرة ثانية يوم 25 فبراير لقاء مبلغ 6.6 مليون دولار، بحسب ما أعلن موقع نيفتي جيتواي على تويتر.

حقبة فنية جديدة أم هوس جماعي؟

هناك فوائد وميزات للحفاظ على المقتنيات الفنية في محفظة مشفرة عوضاً عن طيها في أسطوانات أو تعليقها على الحائط في غرفة الجلوس؛ إذ مع الفن الجديد، لا تكاليف شحن أو تأطير أو تخزين أو تأمين، ولا مشاكل في الحفاظ على الحالة الفنية للوحة. ومن ناحية أخرى، فإن العقود الذكية لتقنية البلوك تشين تكفل صحة مصدر الصورة وتحدد مالكها وأصالتها. وعلاوة على ذلك، يمكن لأي شخص على الإنترنت أن يشاهدها دون خوف من سرقتها. وفوق ذلك كله، يمكنك، بعد شراء الصورة واقتنائها بلحظات، أن تبيعها دون أي اعتراض من الفنان الذي صممها؛ لأنه -وتبعاً لطبيعة عقد البيع- سيحصل على حصة من عمليات إعادة بيعها توفرها له العقود الذكية ويحصل عليها بعملة إيثيريوم المستخدمة عادة في هذا النوع من التجارة الفنية.

مثلما شكلت البيتكوين نظاماً مالياً موازياً -البعض يقول بديلاً- للنظام البنكي المركزي، فإن إن إف إل قد تشكل بديلاً للجاليري التقليدي الذي تهدده التكنولوجيا بالفعل، عبر عمليات بيع اللوحات الفنية على إنستقرام التي توشك على تجاوز نظيراتها في المعارض الفنية.

تقول دار كريستيز في تقديمها للوحة بلوك 21: “إن انتقال العمل الفني من المساحة الفيزيائية إلى الفضاء الرقمي يمثل الأسلوب الاعتيادي والقياسي بالنسبة لهذا الجيل المتصل، إن الأضواء لا تنطفئ أبداً عن الفن الرقمي”.

وفي مقابلة أجرتها محطة سي إن بي سي قبل أيام، قال المستثمر الملياردير مارك كوبان إنه لو قرر أن يطلق شركة جديدة اليوم، فإنه سيركز أعمالها على تقنية البلوك تشين والعقود الذكية والرموز غير القابلة للاستبدال، وإن هذا الوقت يذكره بالأيام الأولى للإنترنت. ويتوقع كوبان أن الرموز غير القابلة للاستبدال ستحدث زعزعة في مجال صناعة الموسيقى والأفلام. وتنبأ أن يستمر نمو هذا المجال لأن “الجيل زد يرى أن السلع الرقمية تحمل قيمة أكبر من أي شيء آخر، أكثر حتى من امتلاك منزل حقيقي أو سيارة حقيقية”. ورأى أن مزاد كريستيز الجاري حالياً “سيشجع جامعي اللوحات الفنية التقليدية على دخول الفضاء الرقمي”.

وفي مقالة لصحيفة فوربس نٌشرت مؤخراً، يقول الكاتب لورنس وينترماير: “قد يكون هذا الأمر جنوناً، لكنه هوس جماعي يشارك فيه عدد متزايد من المستثمرين المحنكين في مجال العملات المشفرة”. ويضيف: “الرأسمالية نظام اجتماعي، والرقميون يفهمون قدرة الحشود في تعظيم فائدة تسليع كل الأشياء في الفضاء السيبراني. وبما أن جميع من في هذا العالم متصلون بالشبكة، فمن المرجح إمكانية ربط أي شي برموز [أي تسليعه في العالم الرقمي]”.


شارك