Article image




من شراء الطعام إلى المدن الذكية، كيف يشكل "تفاهم" مليارات الأجهزة الذكية مع بعضها البعض مستقبل العالم؟

2020-03-11 11:20:44

11 مارس 2020

“في القرن القادم، سترتدي الأرض جلداً إلكترونياً، وستستخدم الإنترنت كسقالة لدعم ونقل أحاسيسها”، هذا ما توقعه الباحث الأميركي نايل جروس، رئيس قسم علم الاجتماع في كلية كولبي بالولايات المتحدة، في نهاية التسعينيات. حسناً، يبدو أن نبوءة جروس تتحقق تدريجياً مع التطور المتسارع في تقنيات الاتصال وتبادل المعلومات. وكما يتكون الجلد الحقيقي من ملايين الخلايا المتصلة ببعضها البعض، والتي تنقل المعلومات عن العالم الخارجي وتستشعر البرودة والحرارة والألم والضغط، وتعمل كدرع لمنع اختراق الجسم، فإن الجلد الإلكتروني يتكون من ملايين الأجهزة المتصلة التي تعمل كشبكة ذكية تجمع وتتشارك المعلومات والبيانات بلا توقف، لتقوم بمهام كانت حكراً طوال التاريخ على البشر، مثل التحليل والتنبؤ واتخاذ القرارات. هذه الشبكة -أو المفهوم التكنولوجي- يطُلق عليها: إنترنت الأشياء (Internet Of Things- IOT).

وعلى الرغم من أن العديد من الدراسات والأبحاث تشير إلى إنترنت الأشياء باعتبارها مستقبل التواصل العالمي، وربما حتى ثورة صناعية جديدة، إلا أن المفهوم يظل ضبابياً لدى معظم الناس، لا سيما أن اسمه يشير بشكل غامض إلى محتواه. لذا، يأخذكم هذا المقال في رحلة للتعرف على ماهية إنترنت الأشياء وأهم ميزاتها، وأبرز تطبيقاتها الحالية والمستقبلية.

ماذا تعني “الأشياء”؟
ببساطة، “الأشياء” هي كل الأجهزة التي يمكنها التواصل معاً عن طريق الإنترنت، والتي يمكنها -ويسُمح لها- بجمع وتبادل المعلومات، وتوليد البيانات ومعالجتها، بهدف تحسين عملية اتخاذ القرار وأتمتة العمليات، مثلما تفعل أنظمة الطوارئ الطبية المعتمدة على أجهزة مراقبة الحالة الصحية، والتي قد ترسل إلى الطبيب أو تتصل بالطوارئ تلقائياً عندما تكتشف تغيرات مفاجئة في جسد المريض.

وتضم هذه الشبكة الافتراضية -التي من المتوقع أن يصل عدد أجهزتها هذا العام إلى 20.4 مليار جهاز- على سبيل المثال لا الحصر: مكبرات الصوت، والكاميرات، ومستشعرات الحرارة، وأجهزة التلفاز، وأجهزة الرعاية الصحية التي تستخدم تقنية الوقت الفعلي مثل أجهزة رسم القلب ومقاييس الضغط وتطبيقات اللياقة البدنية، والسيارات الذكية. ولا يتوقف الأمر على الأجهزة الإلكترونية أو الصناعية؛ إذ تشمل القائمة كل “شيء” آخر يمكن جعله متصلاً بالإنترنت عن طريق وضع شريحة معالجة داخله، مثل المصابيح الذكية، وحتى الحيوانات والأشجار. علاوة على ذلك يتحول البشر أنفسهم إلى “أشياء” عندما يرتدون ملابس أو إكسسوارات يمكنها استشعار أجسامهم، ونقل البيانات منها، مثل الساعات والنظارات الذكية.

نشوء المصطلح
تجدر الإشارة هنا إلى أن مصطلح “إنترنت الأشياء” ظهر لأول مرة عام 1999، على يد رجل الأعمال البريطاني كيفن أشتون، وهو أحد مؤسسي مركز أوتو آيدي (Auto-ID Center) التابع لجامعة إم آي تي، وكان ضمن الفريق الذي ساعد في تطوير تقنية تحديد الهوية بموجات الراديو (RFID)، التي تعتمد على وجود جهاز يحتوي على شريحة سيلكون وهوائي، بحيث يتمكن من استقبال وإرسال البيانات من أي “شيء” سواء كان إنساناً أو حيواناً أو آلة.

وهناك عاملين أساسين ساهما في تطور إنترنت الأشياء؛ أولهما التغييرات التي شهدتها أجهزة الاستشعار خلال العقد الأخير وتصغير أحجامها إلى درجة مكّنت من وضعها داخل الساعات والملابس، والآخر هو تطور الاتصالات اللاسلكية بحيث تتمكن هذه الأجهزة من إرسال البيانات التي جمعتها إلى برامج معالجة متخصصة لتحليلها، وإرسال النتيجة خلال الوقت الفعلي إلى الأطراف المعنية سواء أكانوا بشراً أم أجهزة أخرى.

ما الذي يميز هذه “الأشياء”؟
هناك 3 ميزات أساسية لإنترنت الأشياء، أولها قدرة هذه “الأشياء/الأجهزة” على التواصل والتفاهم مع بعضها البعض دون الحاجة إلى تدخل بشري، عن طريق استخدام تقنية اتصال آلة بآلة (Machine to Machine) لنقل البيانات، مثلما تستخدم بعض شركات الطاقة عدادات ذكية يمكنها جمع بيانات الطاقة التي استهلكها عميل وإعداد الفواتير تلقائياً، دون الحاجة لإرسال موظف لقراءة العدادات، فتضمن دقة وسرعة العملية.

الميزة الثانية هي قدرة “الأشياء” على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق، لتطوير أدائها. وكلنت شركة فارنيل البريطانية المتخصصة في خدمات تصميم وإصلاح النظم الإلكترونية قد نشرت، قبل أيام، نتائج دراسة استقصائية أجرتها، تشير إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُستخدم في ما يقرب من نصف تطبيقات إنترنت الأشياء (49%)، حيث احتلت التطبيقات التي تستخدم التعلم الآلي المرتبة الأولى من حيث الاستخدام (28%)، تليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي المعتمدة على السحابة الإلكترونية (19%).

وأشارت الدراسة إلى أنه على الرغم من استمرار اندماج الأجهزة الذكية -مثل أجهزة أمازون إيكو وأجهزة جوجل هوم- في الحياة اليومية -مما يدل على تزايد اعتماد المستهلكين على إنترنت الأشياء- إلا أن عام 2019 شهد تحولاً طفيفاً إلى التركيز على الأتمتة الصناعية والمدن الذكية، حيث تتحول المزيد من المنشآت الصناعية إلى التشغيل الآلي الكامل أو شبه الآلي، وزيادة الاستثمار في تقنيات الصيانة التنبؤية لتقليل أوقات تعطل الإنتاج.

الميزة الثالثة الهامة في انترنت الأشياء هي التحرر من القيود المكانية، فكما ذكرنا في المثال السابق وكما سنذكر في الأمثلة التالية: يمكن للإنسان التحكم وإدارة ومراقبة العديد من الأشياء عن بعد، دون الحاجة للتواجد في نفس مكانها.

تطبيقات عملية
تتراوح تطبيقات إنترنت الأشياء بين أمور بسيطة مثل طبق البيض الذكي، الذي ينبهك إلى أن البيض في منزلك أوشك على النفاد، إلى تطبيقات غاية في التعقيد مثل المدن الذكية التي تستخدم أجهزة الاستشعار والأضواء والعدادات لجمع البيانات وتحليلها، لتحسين البنية التحتية والمرافق العامة والخدمات.

ومن التجارب الرائدة في استخدام إنترنت الأشياء في العالم العربي، كان استخدام شركة الشارقة للبيئة في الإمارات العربية المتحدة، منذ عام 2016، حاوياتِ تدمير نفايات متصلة بالإنترنت تعمل بالطاقة الشمسية، ومزوّدة بأجهزة استشعار، لرصد وقياس مستوى المواد بداخلها، وإرسال إشارات إلى مركز التحكم في الشركة عند الحاجة إلى تفريغها. كما تعمل الألواح الشمسية بها على إمداد آلة ضغط داخلية بالطاقة، لضغط المواد وتقليص حجمها ورفع قدرة الحاويات من النفايات إلى خمسة أضعاف قبل الحاجة إلى تفريغها.

ويمكن شرح تأثير إنترنت الأشياء في حياتك عن طريق تخيل التالي: تستيقظ صباحاً بواسطة منبه ذكي يمكنه تحديد الحالة المرورية الحالية وحالة الطقس لتحديد أنسب موعد لإيقاظك، وتتجه لعملك بسيارة ذاتية القيادة لديها القدرة على اختيار أقل الطرق ازدحاماً واستكشاف المشكلات الموجودة في الطريق وتحديد أي عطل مفاجئ قد يحدث لها والتواصل مع الشركة المنتجة لإصلاحه فوراً. وخلال وجودك في العمل تكتشف أجهزة الاستشعار وجود أعطال وشيكة في أجهزة معينة فتنبهك قبل أن يتعطل الإنتاج، وربما يزورك شخص أثناء غيابك فتفتح له الباب بواسطة هاتفك الذكي.

وقبل عودتك من العمل تنبهك الثلاجة إلى نفاد طعام معين، فتتواصل مع متجر إلكتروني يقوم بتوصيل طلبك إلى المنزل بطائرة مسيرة ويمكنك تتبع طلبك حتى يصل، كما يمكنك التحكم في نظام التبريد والتهوية في المنزل قبل أن تصل إليه، ثم تذهب بعد ذلك إلى صالة تمارين رياضية فتخبرك ساعتك الذكية أو السوار الموجود حول معصمك بمؤشراتك الحيوية وكمية الطاقة التي بذلتها، وتنبه طبيبك في حالة تعرضك لخطر مفاجئ. وفي المساء يمكن للمصابيح الذكية أن تستخدم أجهزة الاستشعار فلا تضيء سوى الغرف التي يدخلها الأشخاص، كما يمكنك التحكم في شدة الإضاءة أو لونها عن طريق هاتفك الذكي.

هذه التطبيقات لم تعد ضرباً من الخيال العلمي، بل إن غالبيتها العظمى موجودة بالفعل وإن كانت في صور أولية وغير متكاملة بعد. فأجهزة مثل أمازون إيكو وجوجل هوم التي أشرنا إليها سابقاً تقوم بالعديد من هذه المهام التي تُعرف بأتمتة المنازل الذكية، بما فيها التحكم في الضوء والحرارة والكاميرات وأنظمة الأمن وتوفير الطاقة داخل المنزل. كما أن السيارات ذاتية القيادة هي مضمار التنافس الأساسي بين كبرى الشركات في العالم، ويكفي إلقاء نظرة على التجارب التي تقوم بها شركات مثل تسلا وليفت.

أما استخدام الطائرات المسيرة في عمليات الشحن، فهو أبرز المشروعات التي تعمل شركة أمازون على تطويرها حالياً تحت اسم “أمازون برايم إير“، حيث يفترض أن تسلم الطائرات المسيرة الشحنات للعملاء في غضون 30 دقيقة من الطلب. وأخيراً، طورت العديد من الشركات بالفعل أنظمة مراقبة للمؤشرات الحيوية يمكن ارتداؤها، مثل ساعات شركة آبل الذكية، وسوار المعصم الذي طورته شركة (كير بريديكت CarePredict) الأميركية الذي يتتبع التغيرات البسيطة في الأنماط السلوكية لكبار السن التي تسبق السقوط وسوء التغذية والاكتئاب، والذي يمكنه أيضاً إرسال إشارات استغاثة سريعة.

مجرد تخيل وصول هذه الأنظمة إلى مرحلة التكامل يمكن أن يعطينا لمحة عن أهمية إنترنت الأشياء وكيف يمكنها تغيير حياة البشر في المستقبل القريب.