Article image
ترحيب حار.
مصدر الصورة: كارين هاو/ إم آي تي تكنولوجي ريفيو



في أبرز حدث للذكاء الاصطناعي في السنة، يتبادل المدعوون من المتحدثين والحضور كيفية تسخير التكنولوجيا لخدمة العالم بشكل أفضل.

2019-12-18 10:27:09

16 ديسمبر 2019

منذ سنتين وحسب -كما قيل لي- كان أحد أبرز مؤتمرات أبحاث الذكاء الاصطناعي السنوية أقرب إلى حفلة ضخمة منه إلى حدث لتداول الأبحاث الأكاديمية. وفي صراع شرس لاجتذاب أفضل الكفاءات والمواهب، كانت الشركات تقدم سيلاً لا ينتهي من الهدايا، وتُقيم حفلات ضخمة وصاخبة، بما فيها حفلة أقامتها إنتل واستضافت فيها المغني فلو ريدا. كان المدعوون (ومعظمهم رجال في أوائل العشرينيات والثلاثينيات من أعمارهم) يفيضون بهجة برواتبهم الضخمة وجاذبيتهم بالنسبة للشركات الهامة، يتجرعون المشروبات المجانية، ويمضون الليل في الرقص والمرح.

لم أحضر هذه النسخة من مؤتمر نيوريبس NeurIPS، وهو اسم مختصر لعبارة: مؤتمر أنظمة معالجة المعلومات العصبونية. فقد حضرتُ للمرة الأولى في السنة الماضية، بعد أن وصل الصخب إلى ذروته. كانت أوساط الذكاء الاصطناعي تخضع للضغوط والتدقيق من الخارج بشكل متزايد بعد أن أدى الاستياء الذي رافق الانتخابات الأميركية في 2016 بالناس إلى التشكيك في تأثير الخوارزميات على المجتمع. أما من الداخل، فقد تكاثرت التقارير حول التحرش الجنسي ومعاداة السامية والعنصرية والتمييز على أساس العمر، وأخذ حضور المؤتمر يفكرون جدياً في التوقف عن المجيء.

ولهذا، عندما وصلت في 2018، وجدت أنه تم تعيين لجنة للتنوع والشمولية، كما تم تحديث الاختصار NIPS. غير أن أجواء هذه السنة كانت مختلفة عن أجواء السنة الماضية. فقد كانت الحفلات أصغر، وكانت الأحاديث أكثر حرصاً على المعايير الاجتماعية، كما أن الحوارات كانت أكثر وعياً بالتحديات الأخلاقية التي يجب أن تواجهها أوساط الذكاء الاصطناعي.

ومع تنامي وتوسع دور الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، إضافة إلى المخاوف الجديدة المتعلقة بتأثيره، بدا أن أوساط الذكاء الاصطناعي بدأت تفكر أخيراً في قدرات الذكاء الاصطناعي والمسؤولية التي ترافقها. وكما قال لي أحد الحضور: “أشعر أن أوساط الذكاء الاصطناعي بدأت تنتقل إلى سن الرشد”.

تجسد هذا التغيير في مظاهر واضحة للغاية؛ فقد كانت الكثير من الجلسات التقنية أكثر تركيزاً وأكثر توجهاً نحو مشاكل العالم الحقيقي المتعلقة بالإنسان بشكل مباشر، بدلاً من المسائل النظرية. كانت ملصقات كاملة تركز على وسائل أفضل لحماية خصوصية المستخدمين، وضمان العدالة، وتخفيض مقدار الطاقة المطلوبة لتشغيل أحدث النماذج وتدريبها. إضافة إلى ذلك، عُقدت ورشات عمل على مدى يوم كامل تحمل عناوين مثل “التعامل مع التغير المناخي بالتعلم الآلي” و”العدالة في التعلم الآلي للصحة”.

إضافة إلى ذلك، تحدث الكثيرون من المحاضرين المدعوين بشكل مباشر حول التحديات الاجتماعية والأخلاقية التي تواجه هذا الحقل، وهي مواضيع كان الجميع يصرف النظر عنها باعتبارها غير أساسية في التعلم الآلي. وقد قوبلت هذه الأحاديث أيضاً بردود فعل إيجابية من الحضور، مما يشير إلى انفتاح جديد حول التعامل مع هذه القضايا. وعلى سبيل المثال، تضمن الحدث الافتتاحي خطاباً مثيراً لأخصائية علم النفس الإدراكي وأحد أبرز وجوه حركة #metoo، سيليست كيد، حثَّت فيه صناعة التكنولوجيا على تحمل مسؤوليتها في أثر التكنولوجيا على معتقدات الناس، ودحض الخرافات المتعلقة بالتحرش الجنسي، وعلى إثر ذلك الخطاب، وقف الحضور في تصفيق حار لها. وفي حديث افتتاحي في ندوة حول الميول الجنسية المغايرة في الذكاء الاصطناعي، طالبت ريا كالوري، الباحثة في ستانفورد، الآخرينَ بالتفكير بشكل جدي حول قدرة نماذج التعلم الآلي لديهم على نقل النفوذ في المجتمع ممن يمتلكه إلى من لا يمتلكه، وقد تداول الكثيرون حديثها هذا عبر الإنترنت على نطاق واسع.

لم تكن أغلب هذه المظاهر محض صدفة. فعبر عمل لجنة التنوع والشمولية، شهد المؤتمر المشاركة الأكثر تنوعاً في تاريخه؛ فقد كان نصف المتحدثين على المنصة الرئيسية تقريباً من النساء، وكانت هناك نسبة مماثلة من الأقليات. كما أن نسبة 20% من الحضور الذين بلغ عددهم 13,000 شخص كانت من النساء، بعد أن كانت النسبة 18% في السنة الماضية. كما كانت هناك 7 مجموعات منظمة لدعم الباحثين من الأقليات -وهو رقم قياسي- مثل ذوي الأصول الأفريقية في الذكاء الاصطناعي، وذوي الميول الجنسية المغايرة في الذكاء الاصطناعي، وذوي الحاجات الخاصة في الذكاء الاصطناعي، وقد عقدت اجتماعاتها في نفس مكان المؤتمر لتسهيل اختلاط الأشخاص وتبادل الأفكار.

وقد أخبرتني كيد أن مشاركة المزيد من الناس ذوي الخلفيات المختلفة في الذكاء الاصطناعي يعني بشكل طبيعي أننا نتحدث عن تأثير الذكاء الاصطناعي على المجتمع، سواء كان سلباً أو إيجاباً: “لقد أتوا من أماكن ذات إمكانات قليلة، وهم أكثر وعياً وإدراكاً لأشياء مثل التحيز والظلم، وكيف يمكن أن تؤدي التكنولوجيات المصممة لشرائح معينة أن تسبّب الأذى للآخرين من الشرائح المضطهدة”. وعبرت كالوري عن نفس الفكرة، وقالت إن الجهود الدولية الرامية إلى زيادة التنوع في أوساط الذكاء الاصطناعي تُرغم هذه الأوساط على “مواجهة الأسئلة المتعلقة بتوزيع النفوذ في هذا المجال”.

ولكن، وعلى الرغم من هذا التقدم، يقول الكثيرون إن هذا العمل ما زال في بداياته؛ حيث إن نسبة 20% من النساء ما زالت منخفضة لدرجة فظيعة، كما أن هذه السنة شهدت -على غرار السنوات الماضية- جهوداً جبارة لتأمين سمات الدخول للباحثين من مختلف أنحاء العالم، خصوصاً أفريقيا. تقول كاثرين هيلر، وهي مساعد أستاذ في جامعة ديوك، وأحد رؤساء لجنة التنوع: “لطالما كان هذا الحقل مقتصراً على شريحة ديمغرافية معينة، وبالتالي كانت الأبحاث الناتجة تعكس قيم هؤلاء الأشخاص. وما نريد تحقيقه على المدى الطويل هو بناء مكان أكثر شمولية لبناء مستقبل الذكاء الاصطناعي، وما زال أمامنا الكثير من العمل”.

أجل، ما زال هناك الكثير من العمل، ولكن عندما رأيت الحضور يقفون في طابور طويل لشكر كيد على حديثها واحداً واحداً، شعرت ببعض الأمل.


شارك



مراسلة الذكاء الاصطناعي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو