يرجح الفلكيون الآن بنسبة كبيرة أن هذا الشريك الغريب للثقب الأسود هو نجمٌ نيوتروني (بدين).

بقلم

2020-06-27 17:13:31

27 يونيو 2020
Article image
تمكن الفلكيون من كشف أمواج ثقالية ناتجة عن تصادم يحدث بسبب اندماج ثقب أسود مع شريك خفيف للغاية، والذي ربما يكون نجماً نيوترونياً.
المصدر: معهد ماكس بلانك للفيزياء الثقالية

تمكن فلكيون من التقاط أمواج ثقالية لحدث فريد من نوعه لم نشهد له مثيلاً حتى اليوم، وهو تصادم ثقب أسود مع شريك لا تتجاوز كتلته 2.6 كتلة شمسية (أي 2.6 ضعف من كتلة شمسنا). أي أن هذا الجسم خفيف الكتلة للغاية مقارنة بالثقب الأسود، ولكنه من ناحية أخرى ثقيل بعض الشيء مقارنة بالنجم النيوتروني. أيضاً، لم يتمكن العلماء من رصد الإشعاعات المنطلقة المرافقة لهذا الحدث عادة، غير أن هذا قد يكون الدليلَ الأول على تصادم بين ثقب أسود ونجم نيوتروني.

عندما تندمج أجسام كونية ضخمة، فإن الطاقة المتحررة من هذا الاندماج تهز الزمكان نفسه، ما يعني ظهور الأمواج الثقالية. ومنذ اكتشاف هذه الأمواج لأول مرة في بدايات 2016، كان كاشفا ليجو وفيرجو قد اكتشفا عدة عشرات من الاندماجات بين ثقبين أسودين بفضل هذه الصدمات الزمكانية، كما تم اكتشاف تصادمات بين نجمين نيوترونيين وثقبين أسودين غير متكافئين.

إشارة تصادم غير متكافئ

غير أن الإشارة الجديدة لا تنطبق على أي من هذه الحالات السابقة، وهي الأمواج الثقالية التي رُصدت في 14 أغسطس من العام 2019، باستخدام كواشف ليجو في الولايات المتحدة وكاشف فيرجو في إيطاليا. ووفقاً للباحثين، تُعتبر هذه الإشارة إحدى أقوى الإشارات المُسجلة حتى الآن. وقد حدد الباحثون مصدر الحدث -الذي سُمي: GW190814- على بعد حوالي 780 مليون سنة ضوئية في اتجاه كوكبة معمل النحات (سكولبتور).

بيّن التحليل الأولي أن الحدث نتج ولا بد عن اندماج جسمين متباينين للغاية؛ أحد هذين الشريكين هو ثقب أسود تبلغ كتلته 23 كتلة شمسية، أما الآخر فهو جسم لا تتجاوز كتلته 2.6 كتلة شمسية، ويقول الباحثون إنهم لم يشهدوا هذا الفرق الكبير في الكتلة في أي حدث للأمواج الثقالية من قبل. يقول أبهيراب جوش من معهد ماكس بلانك للفيزياء الثقالية في بوستدام بألمانيا: “إن إشارة GW190814 اكتشاف غير متوقع ومثير للغاية”.

محاولات مضنية للتفسير

لطالما واجه الفلكيون صعوبة كبيرة في تفسير عجزهم عن اكتشاف ثقوب سوداء أخف من خمس كتل شمسية. وفي نفس الوقت، فإن النماذج النظرية الحالية للبنية الداخلية للنجوم النيوترونية تتوقع أن كتلتها العظمى المسموح بها يجب أن تبلغ حوالي 2 كتلة شمسية.

أدى هذا الفرق بين هذين الحدين إلى ظهور فكرة “الفجوة الكتلية“، وهي المجال الواقع ما بين 2 و5 كتلة نجمية، والذي لا يحوي كتلة أي جسم من مجموعة الأجسام التي كانت نجوماً فيما مضى -مثل الثقوب السوداء والنجوم النيوترونية- التي تُعرف أيضاً باسم المقبرة النجمية.

ولكن أي نوع من الأجسام هو الشريك الأصغر؟ بما أن كتلته تساوي 2.6 كتلة شمسية، فهو يقع تماماً في المجال الخالي ما بين الثقوب السوداء والنجوم النيوترونية. وفقاً لجوش، إذا كان ثقباً أسود، فسوف يكون أخف ثقب أسود معروف حتى الآن. أما إذا كان نجماً نيوترونياً، فهو أضخم نجم نيوتروني رُصد ضمن نظام ثنائي حتى الآن. وفقاً للنماذج الحالية، فإن الحد الأعلى للنجوم النيوترونية هو 2.16 كتلة شمسية، وأثقل بحوالي 20% للنجوم الدوارة.

ولكن لن تكون هذه المرة الأولى التي يكتشف فيها الفلكيون نجماً نيوترونياً يُفترض بأن يكون ثقيلاً للغاية، وحتى الآن، ليس من الواضح ما هي الشروط التي تؤدي إلى استثناءات تتجاوز الحد الأعلى. ولهذا، يبدو من المعقول أن “الشريك الصغير” في GW190814 هو نجم نيوتروني بدين بعض الشيء، بل إن هذا صحيح باحتمال أكثر من 99% وفقاً لأول تحليل من ليجو. إذا تأكد هذا الأمر، فسوف يكون أول دليل واضح على تصادم ثقب أسود مع نجم نيوتروني، فقد كانت الإشارة السابقة -من 26 أبريل 2019- ضعيفةً للغاية ولا تسمح بحسم المسألة.

الكيلونوفا المفقود

من المؤشرات على مشاركة النجم النيوتروني في الاندماج وجود إصدار إشعاعي مرافق للاندماج، وهو ما يسمى كيلونوفا (أو مستعر ماكرو). ولهذا قام نيكولاس فييرا من جامعة ماكجيل وفريقه بتفتيش منطقة منشأ الإشارة في المجالين تحت الأحمر والمرئي بعد يومين وحسب من استقبال GW190814.

ولكن ذهب هذا الجهد سدى، كما أورد فييرا وزملاؤه في بحثهم، حيث قالوا: “لم نجد أي دليل مرئي مقنع لهذا الاندماج”. فعندما انطلق الإشعاع الكهرطيسي من GW190814، كان أضعف بكثير مما يمكن أن نتوقعه من كيلونوفا. ووفقاً لحسابات الباحثين، فقد قذف النجم النيوتروني أقل من 0.04 كتلة شمسية من المواد إلى الفضاء خلال هذا التصادم.

يبين هذا المقطع التوضيحي اندماج جسمين، أحدهما أضخم من الآخر بتسع مرات.
المصدر: قناة معهد ماكس بلانك للفيزياء الثقالية على اليوتيوب

هل حدث تمزق خلف أفق الحدث؟

في ضوء المعطيات السابقة، كيف يمكن تفسير هذا؟ وفقاً للفلكيين، يوجد تفسيران: فإما أن يكون الثقب الأسود قد التهم النجم النيوتروني بسرعة كبيرة للغاية لدرجة أنه اختفى خلف أفق الحدث قبل أن يؤدي تمزقه إلى إطلاق مقدار كبير من الإشعاع، كما تشرح فيكي كالوجيرا وهي أستاذة في جامعة نورث ويسترن، وأحد الذين شاركوا في العمل البحثي؛ فإنه يمكن تشبيه هذا الحدث بما يحدث في لعبة الفيديو باك مان عندما يلتهم باك مان النقاط الصغيرة في المتاهة. فإذا كانت الكتل متباينة إلى حد كبير، فإن النجم النيوتروني الصغير سيُبتلع بسرعة خاطفة.

أما الاحتمال الآخر فهو أن الشريك الأصغر ثقب أسود صغير للغاية، أي بكتلة تساوي حوالي نصف كتلة أصغر ثقب أسود نجمي معروف، وهي خمس كتل شمسية تقريباً.

تحدٍّ حقيقي

على أي حال، هناك شيء واحد واضح، وهو أن GW190814 مختلف عن جميع الأحداث التي اكتُشفت سابقاً عن طريق الأمواج الثقالية. وبحسب رأي كالوجيرا، فإن تفسير وجود زوج اندماجي بفرق كتلي كبير إلى هذه الدرجة وشريك خفيف الكتلة في منتصف الفجوة الكتلية يمثل تحدياً حقيقياً بالنسبة للنماذج النظرية. ولكن اكتشافنا يشير إلى أن هذه الأحداث تقع بشكل متكرر أكثر مما كنا نعتقد.

والآن، يأمل الفلكيون في العثور على المزيد من الأجسام الغريبة في عمليات الرصد اللاحقة لكل من ليجو وفيرجو، وهو ما قد يساعد على حل لغز هذه الأزواج المتباينة. وكما يقول تشارلي هوي، خريج جامعة كاريف وأحد أعضاء التعاون العلمي في مشروع ليجو وأحد المشاركين في هذا البحث؛ فإن GW190814 قد يمثل أول نظرة على صنف جديد كلياً من الأنظمة الثنائية.

بقي أن نذكر بأن الباحثين المشاركين في هذه الرحلة الشاقة نحو حل لغز هذا النظام النجمي الثنائي قد نشروا أحدث مساهماتهم البحثية حول GW190814 ضمن ورقتين بحثيتين خلال شهر يونيو الحالي، الأولى في مجلة الفيزياء الفلكية (The Astrophysical Journal)، والأخرى في ملحق مجلة الفيزياء الفلكية (The Astrophysical Journal Letters).


شارك