Article image
النموذج الأولي لماجيس 100.
مصدر الصورة: وزارة الطاقة الأميركية



لم نشهد تموجات في الزمكان إلا عند وقوع أكبر الأحداث في الكون، ولكن قد تكون هناك وسيلة لكشفها مسبقاً.

تمكّنّا منذ أربع سنوات من كشف الأمواج الثقالية، وهي تموجات غريبة في الزمكان تحدث عند تصادم جسمين ضخمين في الفضاء. لقد أدى العثور على هذه الإشارات إلى تأكيد نظرية النسبية العامة التي وضعها أينشتاين منذ قرن من الزمن، والتي تقول إن الأجسام المتسارعة تنتج انحناءات في الزمكان تنتشر على شكل أمواج. منذ ذلك الحين، تمكن العلماء من رصد هذه الإشارات المنتشرة من مختلف أنحاء الكون لعشرات المرات، بعد صدورها عن أنواع متباينة للغاية من التصادمات الكونية.

ولكن منذ ذلك الاكتشاف التاريخي الأول، كان العلماء يحاولون دراسة ما يمكن أن تخبرنا به هذه الأمواج عن الكون. ولسوء الحظ، فإنها جميعاً تعاني من مشكلة واحدة كبيرة: إنها لقطات خاطفة للحظات تصادم جسمين معاً، ولا تمثل أي شيء آخر. والأسوأ من هذا أنه ليس لدينا ما ينبئنا بوقوع هذه الأحداث، وبالتالي لا نستطيع استخدام أي أدوات أخرى لدراستها. ومن دون سياق عام، فإن الأمواج الثقالية التي نكتشفها لا تستطيع أن تخبرنا بالكثير قبل أن تتلاشى.

غير أن المفتاح نحو استخلاص المزيد من هذه الإشارات يأتي من تجربة جديدة بدأت تأخذ شكلها النهائي على عمق 100 متر تحت الأرض في مهوى عمودي (حفرة عميقة كالبئر) في باتافيا بإيلينويس. نقدم لكم ماجيس 100، المشروع المصمم من أجل محاولة كشف الإشارات الحساسة للغاية التي قد تعبر الزمكان عن طريق إطلاق الليزر على الذرات المجمدة. وإذا نجح هذا المشروع، فمن الممكن أن يساعد على إطلاق حقبة جديدة من “قياس التداخل الذري” الذي يمكن أن يكشف بعض أسرار الأمواج الثقالية، والمادة المظلمة، والميكانيك الكمومي، وغيرها من المواضيع المثيرة.

تم تصميم ماجيس 100 حتى يعمل كالتالي: يتم تبريد الذرات إلى بضعة أجزاء من الدرجة فوق الصفر المطلق (للمحافظة على استقرارها) ومن ثم تُسقط إلى داخل حجرة مفرغة من الهواء تقع ضمن المهوى، وبعد ذلك يتم إطلاق نبضات ليزرية في هذه الحجرة من الأعلى إلى الأسفل بين الذرات أثناء السقوط الحر، ويتم قياس الزمن الذي يحتاجه الضوء للانتقال من ذرة إلى أخرى. وبما أن الضوء يسير في الخلاء بسرعة ثابتة، يجب أن نكون قادرين على توقع هذا الزمن بدقة عالية. وأي تأخير في هذا الزمن سيكون -كما يُفترض- ناتجاً عن إشارات حساسة خارجية، مثل الأمواج الثقالية، وربما أشياء أخرى.

ولا يختلف أسلوب العمل هذا تماماً عن طريقة عمل مقاييس التداخل التقليدية، ويمكن -من حيث المبدأ- أن نعتبر ماجيس 100 أقرب ما يكون إلى نسخة مصغرة من مقياس التداخل ليجو الذي كشف الأمواج الثقالية لأول مرة في 2015. أما الفرق فهو أن ليجو يعتمد على مرايا تفصل بينها مئات الكيلومترات بدلاً من الذرات. هذه المرايا معرضة بطبيعة الحال إلى أية اضطرابات في الأرض، مما يزيد من صعوبة تمييز الإشارات الحقيقية عن “الضجيج” المزيف. ومن الناحية النظرية، فإن الذرات التي تسقط إلى الأسفل لن تتعرض إلى أية تأثيرات مماثلة.

بالنسبة لجيسون هوجان، وهو فيزيائي من جامعة ستانفورد وأحد مشرفي المشروع، فإن تكنولوجيا ماجيس 100 تشبه هجيناً يجمع ما بين مقياس التداخل والساعة الذرية، ويقول: “تلعب هذه الذرات بشكل أساسي دور ساعات توقيت دقيقة للغاية تقيس زمن انتشار الضوء وتبحث عن التقلبات التي تسببها إشارات أخرى”.

وتبدو المقارنة مع الساعة الذرية منطقية؛ حيث إن النموذج السابق من ماجيس 100 -الذي يبلغ ارتفاعه عشرة أمتار- كان يعتمد على ذرات الروبيديوم، ولكن النموذج الحالي سيستخدم ذرات السترونتيوم، وهو يستخدم حالياً في أفضل الساعات الذرية في العالم أيضاً. ويعود اختيار ذرات السترونتيوم إلى أنها أقل حساسية للحقول المغناطيسية الخارجية من الذرات الأخرى، مما يعني -كما يقول هوجان- أنها “تخطئ بثانية واحدة فقط على كامل امتداد عمر الكون”. ويأمل الباحثون بأن النماذج الأكبر من ماجيس 100 ستكون قادرة في المستقبل على كشف أحداث الأمواج الثقالية التي تقع حالياً خارج نطاق قدرات المشاريع الضخمة مثل ليجو أو فيرجو في إيطاليا.

يستطيع ليجو كشف الإشارات ذات الترددات الواقعة بين 10 هرتز و1 كيلوهرتز، وهو ما يعني أنه قادر فقط على كشف الأحداث الهائلة مثل الاندماجات بين ثقبين أسودين أو نجمين نيوترونيين. وفي بداية هذه الأحداث، تنطلق الأمواج الثقالية بترددات أقل من 10 هرتز مع بدء دوران الأجسام حول بعضها البعض، وكلما تقارب الجسمان ازدادت سرعة الدوران، التي يمكن أن تصل إلى 10 دورات في الثانية، ويؤدي الدوران السريع في نهاية المطاف إلى إطلاق أمواج ثقالية بترددات أعلى من 10 هرتز. تدوم هذه “الأحداث الانفجارية” لحوالي 100 ثانية قبل أن يكتمل الاندماج وتنحدر الأمواج الثقالية إلى ترددات أقل بكثير. وما “يراه” ليجو في الواقع هو المرحلة النهائية وحسب من عملية طويلة بدأت من قبل.

من ناحية أخرى، يستطيع قياس التداخل الذري أن يقيس الترددات من 10 هرتز إلى 100 ميلي هرتز أو أقل، ويستطيع التقاط الأمواج الثقالية الأصغر التي تنتج قبل أشهر أو حتى سنة قبل حدث انفجاري. ولن يساعد هذا على بناء تصور أكثر شمولية حول سبب حدوث هذه الظواهر الضخمة وكيفيتها وحسب، بل يمكن أن يكون بمثابة تنبيه للعلماء حول مكان وتوقيت حدوثها أيضاً، وهو ما سيتيح الوقت اللازم لتجهيز المعدات اللازمة لرصدها بأساليب أخرى، مثل الأمواج الراديوية، والضوء المرئي، والضوء تحت الأحمر، والإشعاع فوق البنفسجي، والأشعة السينية، وأشعة جاما. يقول هوجان: “أحلم بأن أكشف مصدراً في الحزمة المتوسطة، مثل نظام ثنائي من الثقوب السوداء أو النجوم النيوترونية، ومن ثم أحدد مكانه في السماء، وأعطي الجميع التاريخ والتوقيت والمكان اللازم حتى يتمكنوا من توجيه معداتهم بشكل صحيح. وقد نتمكن من مشاهدة حدوث هذا الاندماج في الزمن الحقيقي”.

وقد تعني القدرة على كشف هذه الترددات الأصغر إمكانية دراسة الأمواج الثقالية الصادرة عن ظواهر أقل ضجيجاً وحجماً أيضاً، وهو ما قد يعطينا فرصة للإجابة عن بعض الأسئلة الكونية حول تشكل الكون وتطوره، كما يقول هوجان. وعلى سبيل المثال، قد يؤدي قياس التداخل الذري إلى إحداث أثر هام في عملية البحث عن المادة المظلمة أيضاً؛ حيث تقترح بعض النظريات أن المادة المظلمة مادة ذات كتلة منخفضة للغاية تسلك سلوكاً أقرب إلى الأمواج الكهرطيسية. ويمكن أن يؤدي وجودها إلى تفاعلات صغيرة تحدث آثاراً طاقية قابلة للقياس من رتبة 1 هرتز. ويشعر هوجان وزملاؤه بالحماس إزاء اختبار قدرة ماجيس 100 -أو نموذج أكبر منه- على كشف هذه الإشارات، وربما تقديم لمحة مباشرة عن المادة المظلمة نفسها.

وإن أوليفر بيوكميولر، وهو أحد مشرفي مشروع مرصد وشبكة قياس التداخل الذري (أيون AION) (المماثل لماجيس) في المملكة المتحدة، يقول: “لدينا هدفان استقصائيان يمكن العمل عليهما في نفس الوقت باستخدام نفس الكاشف. إنها طريقة مثيرة للغاية لاصطياد عصفورين بحجر واحد”.

غير أن كل هذا ما زال غير مؤكد؛ حيث إن ماجيس 100 مجرد نموذج تجريبي وحسب، ويجب أن يصل طول مقياس التداخل الذري إلى أكثر من كيلومتر حتى يصبح حساساً بما يكفي لتحقيق أية اكتشافات تتعلق بالأمواج الثقالية. ويقول هوجان إنه يعمل مع زملائه على وضع الأفكار الأولية للنسخة التي يساوي طولها 1 كيلومتر، ويفكرون في تصميم نسخة من هذه التكنولوجيا تعتمد على الأقمار الاصطناعية، حيث يمكن أن يحقق قياس التداخل الذري نجاحاً كبيراً.

أما عن الفيزيائي رانا أديكاري من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، والذي يعمل على ليجو، فإنه يحذر من أن التغيرات في حقل الجاذبية الأرضية -وهي تغيرات صغيرة للغاية، ولكنها ما تزال قادرة على إحداث المشاكل- ستبقى موجودة حتى مع استخدام الذرات بدلاً من المرايا. ومن ناحية أخرى، فإن مقياس التداخل الذري الذي يعمل في الفضاء يمكن أن يصبح أكثر الأدوات التي بناها الإنسان حساسية على الإطلاق، وسيتمكن من رصد الأمواج الثقالية بأخفض ترددات يمكن أن نتخيلها. يقول بيوكميولر: “ستكون هذه أعلى درجة من الحساسية في هذا النوع من العلوم”.

ولا يقتصر الاهتمام بهذه التكنولوجيا على باحثي ستانفورد، على الرغم من أنهم السباقون من دون شك. فبالإضافة إلى أيون، تعمل مجموعات في فرنسا والصين أيضاً على تطوير أنظمة قياس التداخل الذري، وإن كانت تحمل بعض التعديلات (حيث إن النظام في فرنسا على سبيل المثال يعمل بوضعية أفقية). وكما يعتمد ليجو على ثلاثة كواشف مختلفة لتأكيد كشف إشارات الأمواج الثقالية، فإن بيوكميولر يأمل أن هذه المشاريع المختلفة لقياس التداخل الذري ستكون قادرة على تأكيد اكتشافاتها بشكل متبادل، وإثبات فعالية هذه التكنولوجيا بشكل عملي.

وحتى الآن، يعمل فريق ستانفورد على وضع اللمسات النهائية على النموذج التجريبي ماجيس 100، وبناء مصادر ذرات السترونتيوم، كما أن عمليات التركيب بدأت في مخبر فيرمي. وإذا جرى كل شيء وفق المخطط، فمن المفترض أن يكتمل تركيب الجهاز في صيف 2021 ويبدأ العمل في الخريف من نفس العام، وستستمر الاختبارات طوال السنوات الثلاث اللاحقة.

على المدى البعيد، يعتقد بيوكميولر أنه توجد أيضاً فرصة للاستفادة من هذا العمل في تطبيقات أخرى غير البحث عن الأمواج الثقالية. ويقول إن بناء حساسات شديدة الدقة وتقليصها إلى حجوم صغيرة يمكن أن يصبح في نهاية المطاف مفيداً للملاحة البحرية أو التطبيقات العسكرية. وقد نشهد في المستقبل إمكانية استخدام جهاز محمول ضمن سيارة للمساعدة على التنقيب عن النفط، أو البحث عن المشاكل الإنشائية، أو كشف الزلازل قبل وقوعها، كما يقول أديكاري: “قد يكون قياس التداخل الذري والتكنولوجيات المتفرعة عنه أكثر نفعاً للبشرية على المدى البعيد”.