هذا القسم يأتيكم برعاية:


يعرض الكاتب وجهة نظره حول الكيفية التي يُمكن بها للحكومات أن تعزز امتياز العميل من خلال نهج محدد الهدف للاستثمارات الرقمية.

بقلم

2020-09-20 20:43:05

20 سبتمبر 2020
Article image
مصدر الصورة: شاترستوك

نشرة خاصة من إيرنست ويونغ

تأتي هذه المقالة ضمن سلسلة “تحديد أهداف التحول الرقمي الحكومي”، التي أشارككم فيها وجهة نظري حول سبب أهمية ربط الاستثمارات التي تشهدها رحلات التحول الرقمي بهدف قوي. وقد حددت ثلاثة أهداف أساسية يجب أن تدفع وتوجه هذه الاستثمارات، وهي: امتياز النتائج والتميز العملياتي وامتياز العميل. 

وبعد الحديث عن امتياز النتائج والتميز العملياتي، أنتقل الآن إلى عرض وجهة نظري حول كيف يُمكن للحكومات أن تعزز امتياز العميل من خلال نهج محدد الهدف للاستثمارات الرقمية.

إن مفهوم امتياز العميل ليس جديداً، إلا أنه لم يحظَ من قبل بمثل هذه الأهمية التي يحظى بها اليوم. فبالنسبة للقطاع الخاص، يُعد امتياز العميل أداة أساسية لاكتساب ميزة تنافسية في سوق سلعية للغاية، أما بالنسبة للحكومات فإنه يتعلق بالوفاء بهدفها الأساسي، ألا وهو خدمة شعوبها. وعلى الرغم من أننا قطعنا شوطاً طويلاً في تحسين كيفية تقديم الحكومات الخدمات للمواطنين والشركات وسائر الأطراف المعنية، إلا أن تزايد النزعة الاستهلاكية ومطالبة المواطنين بالمزيد يستمران في دفع الحدود القصوى الحالية. وفي الوقت الراهن، يتوقع الناس أن تعاملهم الحكومات باعتبارهم عملاء وأن تتحمل مسؤولية الوعود التي قطعتها لهم.

وإذا نظرنا عن كثب، فسنجد أن الدافع الرئيسي لهذا التغيير الذي طرأ على التوقعات يرجع إلى الكيفية التي جعلت بها التقنيات الرقمية التغييرَ أمراً أسهل وأكثر ملاءمة للعملاء، وكيف منحتهم المزيد من التحكم والتمكين. لكن النبأ السار هنا هو أن هذه التقنيات نفسها هي التي تساعد المؤسسات على الاستجابة لهذه الحقائق الجديدة. والآن، دعونا نرى كيف يتم الاستفادة من التقنيات الرقمية لتحقيق امتياز العميل.

تحسين إمكانية الوصول إلى المعلومات والخدمات

إن التطبيق الأكثر شيوعاً -وربما الأكثر قوة- للتقنيات الرقمية يتلخص في جعل الوصول إلى الخدمات والمعلومات أيسر. ويتوقع العملاء اليومَ الحصول على خدمات ومعلومات سريعة في الوقت والمكان والشكل الذي يختارونه، بل حتى عبر القناة التي يختارونها. وتتيح التكنولوجيا الرقمية للحكومات تلبية هذه التوقعات على غرار ما تفعله هيئات القطاع الخاص. على سبيل المثال، يمكن لمواطني إستونيا تقديمَ إقراراتهم الضريبية باستخدام استمارات إقرار ضريبي مؤتمتة يوفرها مجلس الضرائب والجمارك في جمهورية إستونيا، ويمكن لدافعي الضرائب استخدام أداة الإقرارات الضريبية بنقرة واحدة؛ حيث يتم ملء البيانات تلقائياً من سجلات مختلفة دون الحاجة إلى إعادة إدخال البيانات يدوياً، ويسمح نظام الإيداع الضريبي الرقمي هذا لنسبة 98% من السكان بتقديم إقراراتهم الضريبية عبر الإنترنت في غضون ما بين 3 و5 دقائق، وربما في أقل من دقيقة واحدة في بعض الحالات.

كما أن استخدام التطبيقات الرقمية في توفير المعلومات والخدمات جعل الحصول على المعلومات أمراً بسيطاً. وإذا ضربنا مثلاً بمشغل الاتصالات الخاص بي، فسنجد أن التطبيق الهاتفي الذي يوفره هذا المشغل يتيح لي العثور على معلومات حول الخطط المختلفة، وأسعار المكالمات، وخدمات القيمة المضافة بمجرد الضغط على بضعة أزرار قليلة. وليس هذا فحسب، بل يمكنني أيضاً تنشيط وإلغاء تنشيط وطلب خدمات جديدة دون مساعدة أي من ممثلي خدمة العملاء.

وليس هناك ما يمنع الحكومات من تبني نُهج مماثلة. على سبيل المثال، أطلقت هيئة كهرباء ومياه دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة روبوت الدردشة رمّاس (Rammas) المدعوم بالذكاء الاصطناعي عام 2017؛ لتحسين وصول المستخدمين إلى الخدمات. ويسهل رمّاس إجراء المعاملات، مثل الاستعلام عن الفواتير ودفعها، وتتبع حالة الطلب، وطلبات التوصيلات الجديدة التي يقدمها المقاولون والاستشاريون، والاستفسار عن الوظائف، وطلبات التوظيف. إن توافر المعلومات في أي وقت يجعل العثور عليها أمراً أكثر سهولة بالنسبة للمستخدمين، كما يوفر الوقت لفريق دعم العملاء للتعامل مع المشكلات الأكثر تعقيداً.

تحسين طريقة الإصغاء إلى عملائك

إن تحسين طريقة الإصغاء إلى عملائك يُمكّنك من فهم احتياجاتهم وتوقعاتهم ومواضع شكواهم على نحو أفضل، ويسهل عليك إمكانية العودة بالفائدة عليهم.

وقد درجت الحكومات والهيئات العامة على الاعتماد على بيانات المستخدمين التي تم جمعها عن طريق الدراسات الاستقصائية ومجموعات التركيز. وتميل هذه الأساليب التقليدية إلى الجمود والتدخل المباشر، الأمر الذي يجعل مقدمي الردود واعين، وهو ما يؤثر على ردودهم. ناهيك عن التأخر المرتبط بعملية جمع البيانات وتفسيرها.

بيد أن استخدام المنصات والتطبيقات الرقمية أدي إلى تغيير هذه الديناميكية بصورة هائلة. وسواء كنا نتحدث عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتفاعل مع الجمهور مثلما تفعل دائرة السكك الحديدية الهندية أو استخدام المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة بالمملكة العربية السعودية (أداء) لتطبيق (وطني) لجمع ملاحظات العملاء على الخدمات الحكومية، فقد قطعت الحكومات خطوات كبيرة نحو التفاعل مع شعوبها وجمع واستخدام البيانات في الزمن الحقيقي. ومع ذلك، فإن الإمكانات الحقيقية للتكنولوجيا الرقمية تتمثل في قدرتها على توفير طرق لا تعتمد على التدخل المباشر للاستماع إلى الناس.

ويقدم لنا القطاع الخاص العديد من الحالات التي جرى فيها استخدام التكنولوجيا الرقمية في هذا المجال، والتي يُمكن تطبيقها على القطاع العام أيضاً. على سبيل المثال، قامت سلسلة فنادق كامبانيل في إسبانيا بتركيب نظام لقياس تعبيرات وجوه نزلائها. وتجمع أجهزة الاستشعار التي تم تركيبها في مكتب الاستقبال بالفندق بين الفيديو والأشعة تحت الحمراء للكشف عن الانفعالات التي تظهر على وجوه النزلاء. وفي وقت لاحق، يعالج نظام تحليلي هذه البيانات لتقييم تجربة النزيل في الفندق.

ويُمكن للحكومات عن طريق التقنيات الرقمية تتبُّع تفاعلات المستخدمين، سواء حدثت هذه التفاعلات في نقطة اتصال مادية أو بين أشخاص يتنزهون في حديقة أو شارع أو في قاعة بلدية أو مجموعة تركيز. كما يُمكن بعد ذلك استخدام هذه النتائج -جنباً إلى جنب مع البيانات التي تم جمعها بالطرق التقليدية- من أجل بناء نظام قياس أكثر قوة وموثوقية.

إضفاء الطابع الشخصي على الخدمات والمحتوى

إحدى المزايا الرئيسية لدمج التكنولوجيا الرقمية في القطاع العام تتمثل في قدرتها على تقديم خدمات ذات طابع شخصي للناس، من خلال جعل الخدمات أكثر ذكاءً.

وقد استطاعت التفاعلات الرقمية وعمليات تخزين المعلومات على الإنترنت تمكينَ المؤسسات من الوصول إلى كمية هائلة من البيانات، وهو ما يساعدها -جنباً إلى جنب مع التقدم في مجال التحليلات- على الانتقال من تقديم خدمات جاهزة إلى اتباع نهج أكثر تخصيصاً في تقديم الخدمات. كما يستخدم القطاع الخاص بيانات العملاء على نحو متزايد في الحملات الموجهة، وعند تقديم توصيات بمنتجات معينة استناداً إلى سجل الشراء والمعاملات السابقة. على سبيل المثال، تختلف الصفحة الرئيسية التي تظهر لكل مستخدم لشبكة نتفليكس كما تختلف البرامج الموصى بمشاهدتها استناداً إلى خوارزمية معقدة تحلل تفضيلات المستخدم بناءً على ما يشاهده أو يبحث عنه والوقت الذي يشاهده فيه.

ورغم أن الحكومات لم تصل بعد إلى هذا المستوى من التخصيص، إلا أننا بدأنا نشهد زخماً في تقديم الخدمات المُجمعة حول مراحل الحياة؛ ففي الدنمارك، تعمل البوابة الوطنية للخدمات الحكومية (Borger.dk) مع الهيئات الحكومية لتوفير محتوى يتسم بطابع شخصي أكبر -في قسم “صفحتي”- لمختلف فئات المواطنين وفي مواقف حياتية مختلفة. على سبيل المثال، سيرى الأشخاص الذين بلغوا سن التقاعد محتوى متعلقاً بالتقاعد عند تسجيل الدخول إلى الموقع؛ حيث سيتم إخطارهم بالتقدم بطلب للحصول على معاش تقاعدي حكومي قبل بلوغهم 65 عاماً.

وعلى نحو مماثل، تعمل الحكومات على الجمع بين الوكالات والأنظمة المختلفة، وتحاول تقديم خدمات مبنية على احتياجات المستخدمين بدلاً من الهياكل الإدارية. وتُعد خدمة “Smart Start” المخصصة للآباء الجدد في نيوزيلندا، وخدمة “Moments of Life” في سنغافورة، من بين الجهود التي تدفع في هذا الاتجاه.

الشروع في تحقيق امتياز العميل

سواء كان الأمر يتعلق باستحداث أدوات إلكترونية بسيطة للتخلص من العمليات الورقية واليدوية، أو استخدام التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي لتنفيذ عمليات أتمتة متطورة، فإن الاستثمارات محددة الأهداف في مجال التقنيات الرقمية يُمكنها أن تحسن تجربة العميل بشكل كبير. ومع ذلك، يتعين على الحكومات أن تدرك أن التحول إلى التكنولوجيا الرقمية في حد ذاته لا يعني تحسين تجربة جميع العملاء. على سبيل المثال، تقدم لنا رحلة التحول الرقمي في المملكة المتحدة دروساً قيّمة توضح لنا أن بعض الأشخاص ليسوا على دراية جيدة بالقنوات الرقمية، وأنك ستحيد عن هدفك المتمثل في تحقيق امتياز العميل إذا لم تكن إستراتيجية التحول الرقمي الخاصة بك شاملة؛ لذا يجب النظر إلى التكنولوجيا الرقمية باعتبارها وسيلة لتحسين تجربة العميل، وليس باعتبارها المنتج النهائي نفسه.

ولن ينجح التحول الرقمي في هذا المجال إلا إذا كان مصحوباً بإستراتيجية تتمحور حول العميل. ولتحقيق امتياز العميل على نحو صحيح، فإنه يجب أن يكون جزءاً من عملية التفكير المؤسسي وليس مجرد مبادرة عابرة.

ويتعين بعد ذلك استكمال هذه الإستراتيجية بالقدرات التقنية والبشرية المناسبة. ومن شأن الاعتماد على نظام مرن لتكنولوجيا المعلومات -يُسخر التقنيات السحابية والمفتوحة المصدر لدعم مشروعات التحول الرقمي- أن يسمح للهيئات الحكومية بخفض تكلفة المشروعات والمخاطر التي تنطوي عليها، فضلاً عن توسيع نطاق العمليات بسرعة من أجل تلبية طلب العميل. ومع ذلك، فإن هذا الأمر يعتمد بشكل رئيسي على محرك تحليلي قوي يمكنه تسهيل جمع وتحليل ودمج المعلومات من مصادر متعددة، بمساعدة قوة عاملة جاهزة للثورة الصناعية الرابعة.

أدعوكم إلى إبداء آرائكم وتعليقاتكم حول هذا الموضوع، لجعل الحوار أكثر جدوى وفائدة للحكومات في جميع أنحاء العالم.

وبذلك أكون قد عرضت وجهة نظري حول الأهداف الثلاثة الأساسية التي يجب أن تدفع وتوجه هذه الاستثمارات، وهي: امتياز النتائج والتميز العملياتي وامتياز العميل.

واستهدف الآن مواصلة استكشاف هذه الأهداف الثلاثة، والبدء في بحث مسألة تحديد أهداف التحول الرقمي الحكومي من منظور قطاعي -مثل الرعاية الصحية والتعليم والرعاية الاجتماعية والمعاشات التقاعدية والنقل العام- بالإضافة إلى استكشاف أبعاد أخرى.