Article image
مصدر الصورة: صور جيتي



تحولت هذه الأداة إلى قصة نجاح كبير؛ بفضل مجهود اجتماعي وعاطفي كبير، وليس العمل التقني فقط.

2020-10-05 17:58:36

05 أكتوبر 2020

في نوفمبر من العام 2018، بدأ نموذج تعلم عميق جديد بالعمل في قسم الطوارئ في النظام الصحي لجامعة ديوك. يحمل هذا النموذج اسم سيبسيس ووتش (Sepsis Watch)، وقد صُمم لمساعدة الأطباء على كشف الدلائل المبكرة لواحد من أهم أسباب الوفيات التي تحدث داخل المستشفيات في العالم.

يحدث تعفن الدم (أو خمج الدم) عندما تتسبب إصابة جرثومية بحدوث التهابات في جميع أنحاء الجسم، وتوقف الأعضاء عن العمل في نهاية المطاف. يمكن علاج هذه الحالة إذا شُخصت مبكراً، ولكنها مهمة صعبة للغاية؛ لأن أعراضها تشبه أعراض مشاكل أخرى إلى حد كبير.

وقد عُقدت الآمال على سيبسيس ووتش بأن يتمكن من تغيير هذا الواقع. نتج سيبسيس ووتش عن ثلاث سنوات ونصف من التطوير (بما في ذلك رقمنة السجلات الصحية، وتحليل 32 مليون نقطة بيانات، وتصميم واجهة بسيطة على شكل تطبيق على آيباد)، ويقوم كل ساعة بوضع علامات للمرضى حول احتمال إصابتهم بهذه الحالة. بعد ذلك، يحدد المرضى ذوي المخاطرة المتوسطة والعالية، والذين يحققون جميع أعراض الإصابة أيضاً. وما أن يؤكد الطبيب هذا التشخيص، يبدأ علاج المريض على الفور.

خلال عامين من إطلاق الأداة، تشير الدلالات الأولية من مديري وأخصائيي مستشفى ديوك إلى أن سيبسيس ووتش يعمل بصورة ناجحة فعلاً. فقد أدى إلى تراجع كبير في عدد وفيات المرضى الناجمة عن تعفن الدم، وأصبح الآن جزءاً من تجربة سريرية مسجلة فدرالياً، وهي تجربة يُتوقع أن تقدم نتائجها في 2021.

قد يبدو هذا انتصاراً تكنولوجياً كبيراً للوهلة الأولى؛ فعبر عملية دقيقة من التطوير والاختبارات، تمكن نموذج ذكاء اصطناعي، وبنجاح كبير، من تعزيز قدرة الأطباء على تشخيص أحد الأمراض. ولكن تقريراً جديداً من معهد البيانات والمجتمع يقول إن هذا ليس سوى نصف القصة الحقيقية، أما النصف الآخر فهو مقدار كبير من العمل الاجتماعي البارع الذي احتاج الأخصائيون المشرفون على المشروع إلى القيام به من أجل مكاملة هذه الأداة ضمن إجراءات سير العمل اليومية. ولم يقتصر هذا على تصميم بروتوكولات تواصل جديدة ووضع مواد تدريبية جديدة، ولكن أيضاً التعامل مع سياسات بيئات العمل وديناميات السلطة.

تمثل دراسة الحالة هذه انعكاساً واقعياً لما يحتاجه تحقيق النجاح الفعلي لأدوات الذكاء الاصطناعي في العالم الحقيقي. تقول المؤلفة المشاركة مادلين كلير إيليش، وهي أخصائية في علم الإنسان الثقافي، وتدرس أثر الذكاء الاصطناعي: “لقد كان عملاً معقداً للغاية”.

إصلاح الابتكار

يفترض بالابتكار أن يحدث تغييرات كبيرة؛ حيث يؤدي إلى زعزعة الأساليب القديمة لفعل الأشياء، وذلك بغية تحقيق نتائج أفضل. ولكن لا يوجد أي اعتراف في الحوارات القائمة حول التغييرات التكنولوجية المُزعزِعة بأن هذه التغييرات هي أيضاً شكل من أشكال “التعطيل”؛ حيث تصبح البروتوكولات القائمة عديمة الفائدة، وتتعرض التسلسلات الهرمية الاجتماعية إلى الخلط والارتباك. إن إدماج الابتكارات بنجاح ضمن الأنظمة القائمة يتطلب ما تسميه إيليش وزميلتها المؤلفة المشاركة إليزابيث آن واتكينز: “مجهود الإصلاح”.

وخلال دراسة الباحثين لسيبسيس ووتش في مستشفى ديوك على مدى عامين، وثّقوا الكثير من الأمثلة على هذه التغييرات والإصلاحات. وقد تمثلت إحدى أكبر المشاكل في أن الأداة كانت متضاربة مع هيكلية السلطة ذات الجذور المتأصلة في عالم الطب بين الأطباء وفريق التمريض.

ففي المراحل المبكرة من تصميم الأداة، أصبح من الواضح أن الاستخدام الأساسي للأداة يجب أن يُسند إلى أخصائيي التمريض ضمن فريق الاستجابة السريعة. وعلى الرغم من أن تقييم المرضى وتشخيص تعفن الدم يقع عادة ضمن مسؤوليات الأطباء المقيمين، فإن وقتهم لا يسمح لهم بمراقبة تطبيق آخر بشكل مستمر إضافة إلى واجباتهم الاعتيادية في قسم الطوارئ. من ناحية أخرى، فإن المسؤولية الرئيسية لأخصائي التمريض في فريق الاستجابة السريعة تتمثل في المراقبة المستمرة لوضع المرضى، وتقديم المساعدة الإضافية عند الحاجة. وبالتالي، فإن التحقق من تطبيق سيبسيس ووتش بشكل مستمر يتوافق بشكل تلقائي مع سير عمل هؤلاء.

ولكن، هنا ظهرت المشكلة. فما أن يطلق التطبيق إنذاراً بأن أحد المرضى حالته شديدة الخطورة، فعلى أحد أخصائيي التمريض أن يتصل بالطبيب المقيم. ولا تقتصر المشكلة على عدم وجود علاقة سابقة بين أخصائيي التمريض والأطباء المقيمين لأنهم يمضون وقتهم في أقسام مختلفة من المستشفى، بل تمتد أيضاً إلى البروتوكول الذي يناقض تماماً سلسلة القيادة النموذجية في أي مستشفى. وتستذكر إحدى الممرضات ردة فعلها على هذا الأسلوب في العمل: “أهذه مزحة؟ هل نحن من سيتصل بالأطباء المقيمين؟”.

غير أن هذا كان الحل الأمثل فعلياً؛ ولهذا بدأ فريق المشروع بإصلاح هذا “التغيير” بأساليب متنوعة. فقد قامت الممرضات المشرفات باستضافة حفلات بيتزا ودية لبناء الحماسة إزاء سيبسيس ووتش بين الممرضات الأخريات، كما تم تطوير تكتيكات جديدة للتواصل من أجل زيادة سلاسة اتصالاتهن مع الأطباء المقيمين. وعلى سبيل المثال، قررن إجراء مكالمة واحدة فقط يومياً لمناقشة عدد من المرضى من ذوي الحالات شديدة الخطورة دفعة واحدة، وتم تحديد موعد هذه المكالمة بحيث يكون الطبيب المقيم في أدنى درجات انشغاله.

إضافة إلى ذلك، فقد بدأ قادة المشروع بتقديم تقارير منتظمة حول أثر سيبسيس ووتش إلى القيادة الطبية. كشف فريق المشروع أن الوفيات الناجمة عن تعفن الدم لم تمثل مشكلة في مستشفى ديوك بالنسبة لجميع العاملين فيه. وعلى وجه الخصوص، فإن الأطباء لم يكونوا على اطلاع بالإحصائيات الشاملة للمستشفى، بل كانوا أكثر انشغالاً بالتعامل مع حالات الطوارئ اليومية، مثل العظام المكسورة والأمراض النفسية المزمنة؛ ولهذا السبب وجد بعضهم أن سيبسيس ووتش يمثل مصدراً للإزعاج، ولكن بالنسبة للقيادة الطبية، فقد كان تعفن الدم أولوية كبرى، ومع تزايد إدراكهم لنجاح سيبسيس ووتش، تزايدت تسهيلاتهم لهذا العمل.

تغيير المعايير

حددت إيليش عاملين أساسيين ساعدا على نجاح سيبسيس ووتش؛ العامل الأول هو تكييف الأداة لاستخدامها في سياق محلي ومحدد للغاية، فقد طُوّرت لقسم الطوارئ في مستشفى ديوك، لا لأي مكان آخر. تقول إيليش: “لقد كانت عملية تطوير مخصصة للغاية لهذا المكان، وهو أحد عوامل نجاحها”. وهو ما يتضارب مع المعايير النموذجية للذكاء الاصطناعي.

أما العامل الآخر، فهو السعي المتواصل للفريق للحصول على الآراء والتعليقات الواردة من الممرضات والأطباء وغيرهم من طاقم العمل في جميع مستويات الهيكلية الوظيفية في المستشفى، وذلك طوال فترة التطوير. وهكذا، لم تصبح الأداة مريحة للاستخدام وحسب، بل تمكنت من اجتذاب مجموعة صغيرة من طاقم العمل ممن قرروا الالتزام بالمساعدة على تحقيق النجاح. تقول إيليش إن المشروع أيضاً كان تحت قيادة أخصائيي مستشفى ديوك بدلاً من مجموعة من أخصائيي التكنولوجيا ممن اقتحموا المكان قادمين من إحدى شركات البرمجيات، وهو ما أحدث فرقاً كبيراً في المشروع. وتقول: “إذا استحال تفسير الخوارزمية، فحينئذ يجب بناء الثقة بأساليب أخرى”.

هذه الدروس مألوفة للغاية بالنسبة لمارزيي جاسيمي، وهي أستاذة مساعدة في جامعة إم آي تي وتدرس تطبيقات التعلم الآلي في الرعاية الصحية. وتقول: “جميع أنظمة التعلم الآلي -التي صُممت حتى يقوم البشر بتقييمها أو استخدامها- يجب أن تخضع لقيود اجتماعية تكنولوجية منذ البداية”. هذا صحيح على وجه الخصوص في البيئة السريرية، التي يديرها صناع قرار من البشر، وتتضمن العناية بأشخاص آخرين في منتهى الضعف. تضيف جاسيمي: “إن القيود التي يجب أن يركز عليها البشر هي في الواقع قيود بشرية ولوجستية”.

تأمل إيليش بأن دراستها لسيبسيس ووتش ستقنع الباحثين بإعادة النظر في مقاربتهم لأبحاث الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي، وتطوير الذكاء الاصطناعي بشكل عام؛ حيث تركز أغلبية الأعمال الحالية على “الشكل الممكن للذكاء الاصطناعي أو ما يمكن أن يفعله نظرياً. ولكن المعلومات حول ما يحدث فعلياً قليلة للغاية”. ولكن حتى يصبح الذكاء الاصطناعي على مستوى التوقعات، يجب أن يفكر الناس في التكامل الاجتماعي بقدر تفكيرهم في التطوير التقني.

لقد أثار عمل إيليش تساؤلات جدية. وتقول: “يجب أن يكون الذكاء الاصطناعي الذي يتولى المسؤولية متوافقاً مع سياق محلي ومحدد. وقد تعلمت من خبرتي الأكاديمية والتدريبية أنه يستحيل ببساطة تطوير شيء في مكان ما واستخدامه في مكان آخر”.

“ولهذا، فإن التحدي يكمن في المحافظة على هذه الخصوصية المحلية مع محاولة توسيع نطاق العمل”، هذه هي الآفاق التالية التي تنتظر أبحاث الذكاء الاصطناعي.


شارك



مراسلة الذكاء الاصطناعي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو