Article image
رسم فني لنفثة راديوية صادرة عن ثقب أسود هائل.
مصدر الصورة: المرصد الأوروبي الجنوبي/ م. كورنميسر



تشمل النتائج الجديدة التي تقدمها هاتان الدراستان أقدم ما رصده العلماء من ثقوب سوداء مصدرة للأمواج الراديوية على الإطلاق.

2021-03-19 18:13:25

19 مارس 2021

يقبع في وسط كل مجرة ثقب أسود هائل، وهو أقرب إلى وحش يحافظ على تماسك المنطقة المجاورة له بكل ما تحويه من نجوم وكواكب وغبار. وعلى مر عقود كاملة، ومنذ أن بدأ الفلكيون يدرسون هذه الأجسام بكل اجتهاد، تمكنّا من تأكيد وجودها فعلاً، وعلمنا أنها على الأرجح ضرورية لمساعدة النجوم على التشكل، بل إننا قمنا حتى بتطوير تقنية لتصويرها بشكل مباشر. وعلى الرغم من كل هذا، بقي سؤال كبير من دون إجابة مثار حيرة الفلكيين: كيف اكتسبت هذه الوحوش كل هذه الكتلة الهائلة، وبهذه السرعة الشديدة؟

قد يكمن المفتاح في النفثات الفيزيائية الفلكية، وهي دفقات من الإشعاعات والجسيمات عالية الطاقة التي تطلقها الثقوب السوداء بين الحين والآخر. لا نعلم بالضبط سبب هذه الظاهرة، ولكن أحد الفرق الدولية من الفلكيين أصدر دراستين جديدتين كاسرتين للأرقام القياسية، وتشير هاتان الدراستان إلى أن هذه النفثات -مهما كان سببها- قد تساعد الثقوب السوداء الهائلة على النمو.

تتمحور النتيجة الأولى، التي أوردتها مجلة Astrophysical Journal، حول اكتشاف لثقب أسود هائل يبعد عنا 13 مليار سنة ضوئية، وتبلغ كتلته 300 ضعف من كتلة الشمس. استخدم الفلكيون نتائج الرصد بالأشعة تحت الحمراء من تلسكوب ماجلان في مرصد لاس كامباناس في تشيلي للتأكد من أن هذا الثقب الأسود هو مصدر نفثة اكتُشفت في 2015. وقد أصبح هذا الثقب الأسود الهائل الآن الأكثر بعداً (أي الأكثر قدماً) بين الثقوب السوداء المصدرة للنفثات التي اكتشفها العلماء على الإطلاق.

أما الاكتشاف الثاني، الذي أوردته دراسة في مرحلة ما قبل النشر، وستُنشر قريباً في Astrophysical Journal أيضاً، فهو اكتشاف نفثة فيزيائية فلكية من ثقب أسود هائل يبعد عنا 12.7 مليار سنة ضوئية وتبلغ كتلته أكثر من مليار ضعف من كتلة الشمس، وقد اكتُشف لأول مرة في 2018. وقد استخدم الفريق مرصد تشاندرا للأشعة السينية التابع لناسا، الذي يبحث عن انبعاثات الأشعة السينية من الأجسام شديدة الحرارة في الكون للقيام بعمليات الرصد. وتُعد هذه النفثة أبعد نفثة فيزيائية فلكية رُصدت على الإطلاق باستخدام الأشعة السينية.

تمثل كل مجموعة من النتائج كسراً لبعض الأرقام القياسية المتعلقة بالفلك، ولكن هذا ليس مصدر أهميتها؛ حيث إنهما تساعدان على تفسير قدرة الثقوب السوداء الهائلة على النمو بسرعة كبيرة، على الرغم من أنها تطلق المواد عالية الطاقة بشكل متواصل؛ فقد اكتشف الفريق في مجموعة النتائج الأولى أن النفثات تؤدي في الواقع إلى تحفيز ابتلاع الثقب الأسود للمواد بسرعة.

ففي الدراسة الأولى، وبعد تأكيد وجود الثقب الأسود باستخدام ماجلان، اعتمد الفريق على أجهزة أخرى (مثل التلسكوب العملاق في تشيلي) لتحليل خصائص أخرى للثقب الأسود ونفثته، مثل الكتلة. 

وتبين البيانات الإضافية كيفية تحفيز النفثات لعملية التغذي والنمو. تقوم القوة الثقالية الشديدة للثقب الأسود بمحاولة سحب كميات كبيرة للغاية من الغاز والغبار إلى أفق الحدث للثقب الأسود، أي نقطة اللاعودة. وتتمتع هذه المواد بعطالة زاوية، ما يعني أنها لا تقع بشكل مستقيم ببساطة، بل تدور حول أفق الحدث. في هذه الأثناء، يستمر ضغط الإشعاع في المنطقة (الذي ينتج عن الاحتكاك والتوتر في قرص المواد الدائرة حول الثقب الأسود، والذي يسخن نفسه إلى درجة التوهج) بدفع الغاز بعيداً عن أفق الحدث.

تتسم الأحداث هنا بشيء من التعقيد، ولكن يمكن أن نلخصها بأن شعاع الجسيمات عالية الطاقة الخاص بالنفثة يخفف من الزخم الزاوي للغاز أثناء حركته إلى الخارج. وعلى عكس ضغط الإشعاع، الذي يشع ويدفع كل ما حوله في جميع الاتجاهات، فإن النفثة ضيقة، ولهذا فإنها قادرة بالكاد على التفاعل مع طبقات الغاز الأبعد والأقل كثافة والتأثير عليها. وبوجود طريقة تسمح للغاز بخسارة الزخم الزاوي دون دفع عكسي يُذكر، فإن أغلب الغازات المحيطة بأفق الحدث تقع ببساطة نحوه مباشرة.

وكما يقول توماس كونور، وهو فلكي في ناسا ومشارك في تأليف كلا البحثين: “وهكذا، فإن النفثة تضمن أن الثقب الأسود لا يعمل بشكل يبطئ من نموه بصورة فعالة، وأنه قادر على مواصلة ابتلاع المواد”. وعلى الرغم من أن العلماء شكوا في أن النفثات قد تلعب دوراً في تشجيع عملية التغذي، “فإننا لم نشهد دليلاً قاطعاً فعلياً قبل الآن”، كما يقول كونور.

تعزز دراسة الأشعة السينية هذه الفكرة؛ فقد كشفت عمليات الرصد بالأشعة السينية أن النفثة قطعت 150,000 سنة ضوئية من مصدرها، ما يجعلها أول نفثة أطول من بضعة آلاف وحسب من السنوات الضوئية تم رصدها بالأشعة السينية. يقول كونور: “إن هذا الكشف واسع النطاق بالأشعة السينية يعني أن هذه النفثات مستمرة لفترات زمنية طويلة للغاية”. إنها ليست مجرد ظواهر سريعة وعابرة، بل تدوم لفترة مئات الآلاف من السنوات، وهو وقت يكفي لمساعدة الثقب الأسود الهائل فعلياً على التغذي والنمو بسرعة كبيرة. يقول كونور: “نعلم الآن أنها عملية طويلة الأمد، وأن هذا هو ما يجعل النفثات قادرة فعلياً على مساعدة الثقوب السوداء الهائلة على مراكمة المواد والتضخم. هذه هي الحلقة المفقودة التي تصل 15 سنة من العمل النظري بما لدينا الآن”.

تساعد الدراستان على وضع الأساس للنتائج اللاحقة التي يمكن أن تساعدنا على تعلم المزيد حول كيفية تطور الثقوب السوداء الهائلة ومساهمتها في تشكيل الكون في بداياته. لدينا الآن تصور أفضل حول كيفية البحث عن الثقوب السوداء التي تعود إلى تلك الأزمنة القديمة، إضافة إلى إدراك لأهمية إجراء المزيد من عمليات الرصد بالأشعة السينية لتعلم المزيد حول تفاصيل التغذي بالنفثات.

وبالنسبة لكونور، فإن عمليات الرصد الإضافية ستكون مفتاحية لهذا العمل. وهو يشعر بحماس كبير بعد هذه الضربة المزدوجة في أسبوع واحد. ويقول إن هذا الاكتشاف “يشير كما نأمل إلى وجود الكثير من هذه الأجسام في الكون، كما آمل بأننا سنكسر الرقم القياسي للمسافة ثانية في وقت قريب للغاية”.