علماء يكتشفون حدوث اختناق جيني لفيروس كورونا في الصين، مما أدى إلى انتشار سلالات جينومية جديدة من الوباء حول العالم.

2020-04-16 19:24:36

16 أبريل 2020
Article image
مصدر الصورة: أنسبلاش

ماذا لو اكتشفنا أن فيروس كورونا المتفشي في الولايات المتحدة الأميركية يحمل طفرة جينية متطابقة إلى حد بعيد مع الطفرة الجينية التي يحملها الخفاش من فيروس كورونا، بينما المصابين بالفيروس التاجي داخل الأراضي الصينية فيحملون طفرة جينية مُعدلة عن فيروس كورونا! هذا ما خلصت إليه دراسة مشتركة صدرت عن جامعة كامبريدج البريطانية وعدد من الجامعات الألمانية، تناولت آليات حدوث الاختناق الجيني داخل أجسام المصابين بالفيروس، مما أدى إلى ظهور سلالات جديدة منه.

تسلط الدراسة الضوءَ على “شبكة التطور الجيني” لفيروس كورونا، فمن المؤكد أن الدراسة الجديدة كشفت المزيد من الحقائق حول فيروس كورونا وكيفية نشوء سلالاته وأساليب انتشاره، والمحطات التي شهد فيها الفيروس على تغيرات جينية حدثت خلال رحلة تفشيه بين أصقاع العالم.

تفاصيل الدراسة

أخذ العلماء عينات دم من 1009 مصاب من جميع أنحاء العالم، ومن خلال بحثهم تبيّن وجود 160 طفرة جينية لفيروس كورونا منتشرة حول العالم، وقد توالدت الطفرات من المصدر الأصلي الذي نشأ في الصين.

كشف تحليل عينات الدم -بالإضافة إلى البيانات التي حصل عليها العلماء حول الأماكن التي تواجد فيها المصابون- عن وجود ثلاث سلالات مركزية متمايزة عن بعضها، وقد أنتجت السلالات الثلاثة حوالي 160 طفرة جينية، بالإضافة إلى ذلك فقد عمل الفريق على توزيع الطفرات إلى سلالة “ألف” وسلالة “باء” وسلالة “جيم”.

تفيد الدراسة بأن السلالة “ألف” من فيروس كورونا متطابقة جينياً مع فيروس كورونا الذي يحمله الخفاش وآكل النمل الحرشفي، بينما السلالة “باء” فمشتقة من السلالة “ألف” بعدما تعرضت الأخيرة إلى اختناق جيني، أما السلالة “جيم” فمشتقة بدورها من السلالة “باء” لفيروس كورونا.

ما هو الاختناق الجيني؟

وبحسب الدراسة العلمية التي قدمها الباحثين فإن السلالة “ألف” من فيروس كورونا واجهت مقاومة شرسة من المناعة البشرية في الصين وذلك في ظاهرة طبية يطلق عليها اسم “الاختناق الجيني“، مما دفع السلالة “ألف” من فيروس كورونا إلى إنشاء السلالة “باء” الجديدة. وقد استطاعت السلالة “باء” من الفيروس أن تسيطر على جهاز مناعة المصابين والتكيّف مع شريحة كبيرة من سكان شرق آسيا. 

المناعة الجماعية أدت إلى نشوء السلالة “باء” و”جيم”

تكشف نتائج الدراسة أن الطفرة الجينية في السلالة “ألف” لديها صلة وثيقة بالخفافيش وحيوان آكل النمل، ومصدرها مدينة ووهان، ولكن ما أدهش العلماء أن السلالة “ألف” لم تكن منتشرة بكثرة بين سكان الصين، ولكنها كانت متفشية بين الأميركيين والكنديين الذين كانوا يقيمون في مدينة ووهان وحملوها إلى بلادهم، حينما أذنت السلطات الصينية للأجانب بمغادرة أراضيها، هذا بالإضافة إلى أن السلالة “ألف” هي أكثر سلالة تشهد على تغيرات جينية.

بينما في مدينة ووهان وبقية دول شرق آسيا فتنتشر طفرات جينية من السلالة “باء”، التي لم تشهد تغيرات جينية كبيرة؛ بسبب عدم وجود ذاكرة مناعة جماعية ضد الجينومات المنتمية إلى السلالة “باء”.

في المرحلة الأولى من تفشي جائحة كورونا في الصين، لعبت المناعة الجماعية لدى الصينيين دوراً أساسياً في تحوير جينوم السلالة “ألف” لتخرج منها السلالة “باء” الأكثر انتشاراً في الصين ودول شرق آسيا، وليس مستبعداً أن يكون لوباء سارس -الذي تفشى في الصين قبل عقديّن من الزمن-  دورٌ أساسي في حدوث تحور جيني للسلالة “ألف”.

فالمناعة الجماعية تكتسبها جماعة من البشر بعد تعرُّضهم لفيروس معيّن، وللصينيين سجل طويل مع الأوبئة التي تنتمي إلى أسرة كورونا، وعلى رأسها فيروس سارس.  

وقد قسَّم الباحثون السلالة “ألف” إلى مجموعتين: المجموعة الأولى أطلقوا عليها اسم “Tallele”، وتم اكتشافها لدى أربعة صينيين، وحملها أميركيان مقيمان منذ مدة طويلة في ووهان، أما المجموعة الثانية فتحمل اسم “C-allele”، وتتميز بقدرتها على تشكيل طفرات غير موجودة بالمجموعة الأولى، وقد تبيَّن عبر البحث أن مجموعة “C-allele”منتشرة بشدة في الولايات المتحدة وأوروبا وكندا.

وكانت جينومات السلالة “ألف” قد انحرفت بعد اختناق جيني تعرضت له، فتبدل الحمض الأميني لوسين ليصبح سيرين، وهو ما أدى إلى ظهور السلالة “باء”. وتبيّن مع العلماء انتشار ستة جينومات ينتمون إلى السلالة “باء” في أميركا، وأربعة في كندا، وواحدة في المكسيك، وأربعة منها في فرنسا. ولاحقاً تعرضت السلالة “باء” لاختناق آخر فتحول الحمض الأميني الجليسين إلى فالين، مما أدى إلى ظهور السلالة “جيم”. وبحسب تحليل البيانات، فإن الاختناق الجيني الذي أدى إلى ظهور السلالة الأخيرة قد حدث عندما انتقلت السلالة “ألف” من الصينيين إلى الأستراليين.

كيف انتشرت السلالات؟

في المرحلة الأولى من انتشار الجائحة أصابت السلالة “ألف” مجموعة صينية، بالإضافة إلى أميركيَّيْن مقيمَيْن في مدينة ووهان الصينية، ونقل الأميركيان السلالة إلى أميركا، وعبر الاحتكاك الاجتماعي نشروا الوباء بين مجموعة أفراد من دول شرق آسيا، بينما نقل الصينيون الوباء إلى الأوروبيين.

في المرحلة الثانية وكما جاء في الرسوم البيانية التي وفرتها الدراسة، فقد لعبت شعوب شرق آسيا دوراً في نشر السلالة “ألف” بين الأميركيين والكنديين والفرنسيين والألمان والإيطاليين والأستراليين. وبحسب  دراسة جامعة كامبريدج والجامعات الألمانية، توجد طفرتان من سلالة “ألف” في أوروبا، وثلاث طفرات في كندا، وسبع طفرات في الولايات المتحدة.

في المرحلة الثالثة، ونتيجة المقاومة المناعية، تعرضت جينومات السلالة “ألف” إلى اختناق داخل أجساد الصينيين وسكان شرق آسيا؛ لذلك يكثر وجود السلالة “باء” بين الصينيين، إذ اكتشف الباحثون وجود أكثر من 27 طفرة من السلالة “باء” في الصين، وأكثر من 10 طفرات في دول شرق آسيا، وانتقلت السلالة إلى كندا عبر وافد كندي كان مقيماً في مدينة ووهان وعاد إلى بلده بعد أسبوعين من تفشي الجائحة. كذلك انتقلت طفرات من السلالة “باء” التي حملها سكان شرق آسيا إلى أوروبا، وفي المقابل حمل سائحان مكسيكيان تواجدا في أوروبا السلالةَ “باء” إلى بلدهم.

أما السلالة “جيم” فيترأس الأستراليون عملية نشرها؛ إذ تلقوا بدورهم طفرة جينية من سلالة “جيم” مصدرها الصين، وقاموا بنقل طفرة معدلة وراثياً من السلالة نفسها إلى الأميركيين، ونشروا ست طفرات بين شعوب شرق آسيا، وانتقلت ست طفرات أخرى إلى أوروبا، كما انتقلت إحدى طفرات السلالة “جيم” إلى البرازيل عبر برازيلي كان في زيارة لإيطاليا.

وأخيراً، فإن الدراسة تسلط الضوء على نقطتين رئيسيتين. النقطة الأولى تفيد بأن ثمة سلالات منتشرة في مختلف دول العالم ولكن انتشارها منكمش في الصين كالسلالة “ألف” والسلالة “جيم”، أما النقطة الثانية فتأتي على ضوء المعطيات التي قدمتها الدراسة، والتي سيستطيع العلماء من خلالها بناءَ فرضيات حول الأماكن التي تعرضت فيها السلالة “ألف” إلى تغيرات جينية، وهو ما يراه العلماء أمراً ضرورياً لمعرفة ورصد المناطق التي قد تشهد في المستقبل موجةَ تفشٍّ جديدة لفيروس كورونا، كذلك تسهم الدراسة في فهم المناعة الجماعية التي يتمتع بها الصينيين وشعوب شرق آسيا؛ ذلك أن الدراسة تدور حول التحوّرات الجينية التي حدثت داخل أجساد الصينيين. وليس مستبعداً أن يسهم ما توصلت إليه “شبكة التطور الجيني” في تطوير علاجات بلازما النقاهة واللقاحات في المستقبل.