رد الرئيس الأميركي على وضع تويتر وسماً يدعو للتحقق من تغريداته هو أحدث حلقات تكرار التظلمات القديمة التي لم تُثبت صحتها.

2020-05-31 14:16:42

31 مايو 2020
Article image
مصدر الصورة: تشارلز ديلفيو عبر أنسبلاش

قبل أربع سنوات، استخدم أحد كّتاب موقع بريتبارت -الذي اشتهر بالدفاع عن حملة مضايقات تستهدف النساء العاملات في تطوير ألعاب الفيديو- الوقتَ الذي ظهر فيه على الهواء أثناء مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض، ليهاجم تويتر. كان الرجل غاضباً لأنه فقد شارة التحقق الخاصة به، تلك العلامة الزرقاء الصغيرة، بعدما قالت الشركة إنه انتهك قواعد المنصة الخاصة بمكافحة التحريض على التحرش مراراً وتكراراً، لكنه أصر على أن تويتر كانت في الواقع تعاقبه بسبب أمر آخر. 

وفي مارس من عام 2016، قال ميلو يانوبولوس، لجوش إيرنست، الذي كان آنذاك السكرتير الصحفي لإدارة أوباما: “لقد بات من الواضح للغاية أن تويتر وفيسبوك على وجه الخصوص تفرضان رقابة على وجهات النظر المحافظة والليبرتارية (التحررية) وتعاقبانها”. وفي وقت لاحق من ذلك العام، حظرته تويتر تماماً بسبب دوره في حملة مضايقات استهدفت الممثلة ليزلي جونز، بعدما لعبت دور البطولة في طبعة جديدة من فيلم صائدي الأشباح، استُبدلت فيها أدوار البطولة الرجالية الأصلية بأدوار نسائية، ما أثار غضب كارهي النساء. ورداً على ذلك، ادعى أن تويتر أصبحت الآن “منطقة محظورة بالنسبة للمحافظين”.

وخلال السنوات التي تلت ذلك، دأبت شخصيات أخرى من المحافظين واليمينيين المتطرفين على التقدم بشكاوى مماثلة، تُصور فيها تنفيذ تويتر لسياساتها الخاصة بمكافحة الإساءات والمعلومات المضللة باعتبارها حملة عنيفة مشوبة بالتحيز ضد المحافظين. ثم دارت الاتهامات فيما بعد حول التمييز بين التغطية الصحفية المحافظة وتلك المنتمية للتيار الرئيسي. بيد أن هذه القضية وصلت إلى ذروتها هذا الأسبوع، بعدما أرفقت تويتر وسماً خاصاً بعملية التدقيق في الحقائق، باثنتين من تغريدات الرئيس ترامب، مشيرة إلى أنهما تضمنتا ادعاءات مضللة حول عملية التصويت عن طريق البريد.

من جانبه، هاجم ترامب هذه الخطوة معتبراً أنها نوع من الرقابة ووعد بالرد عليها، ثم وقع أمراً تنفيذياً يمكن بموجبه فرض عقوبات على شركات التواصل الاجتماعي الكبرى، بسبب ما اعتبره فرضاً للرقابة على الآراء المحافظة.

تبدو هذه اللحظة وكأنها تصعيد حتمي لصراع كان يدور منذ سنوات عبر شركات التواصل الاجتماعي الكبرى، لا سيما تويتر، وهو الأمر الذي ألمحت إليه واقعة يانوبولوس في البيت الأبيض. ونظراً لأن المنصات تتحسب لاستخدامها بهدف تضخيم المعلومات المضللة والإساءات والآراء المتطرفة، فإن الجدل الدائر حول ضمان اعتدال المحتوى -الذي كان ذات يوم أمراً هامشياً في قواعد تويتر- بات يُشرك الناس بشكل متزايد في قلب السلطة الرئيسية.

وقال ترامب، في تغريدة وجهها إلى متابعيه على تويتر البالغ عددهم 80 مليون شخص، هذا الأسبوع، إن “الجمهوريين يشعرون أن منصات التواصل الاجتماعي تُسكت أصوات المحافظين تماماً. سننظم عملها بقوة أو سنُغلقها قبل أن نسمح بحدوث ذلك”. وقد تمت تغطية تعليقاته على نطاق واسع في وسائل الإعلام، كما هو حال العديد من تغريداته الأكثر تحريضاً أو ترويجاً للمؤامرات.

وقبل ساعات من الكشف عن الأمر التنفيذي، قامت كيليان كونواي، مستشارة ترامب، في تصريحات على قناة فوكس نيوز، بتشجيع المشاهدين على مطاردة أحد موظفي تويتر، كما قامت بتهجئة اسم المستخدم الخاص بحسابه، وألقت عليه اللوم في قرار وضع وسم التحقق من تغريدات الرئيس. وقالت: “يجب أن يوقظه شخص ما في سان فرانسيسكو، ويخبره بأنه على وشك جذب المزيد من المتابعين”.

كما أشار ترامب بنفسه إلى الموظف، في تغريدة يوم الخميس، موجهاً مؤيديه إلى استخدام هذه الإشارة لكتابة رسائل مسيئة له. وتفيد التقارير بأن هذا الموظف يتلقى تهديدات بالقتل

كانت هذه الدورة قد بدأت في الماضي عندما طرحت تويتر سياسات جديدة مُصممة لحماية الأشخاص الذين يتم استهدافهم بالإساءة، وتعليق الحسابات اليمينية المتطرفة بسبب انتهاكها للقواعد، وتعزيز الجهود الرامية إلى إبطاء انتشار المعلومات المضللة. وتبدأ الدورة بموجات من التكهنات التي تزعم أن تويتر لا تطبق فعلياً -لنقل مثلاً- سياسات إساءة الاستخدام الجديدة، وإنما تنفذ أجندة سرية مناهضة للمحافظين لا بد من إيقافها. ثم يندفع الناس للعثور على شخص مسؤول عن تنفيذ هذه السياسة واستهدافه. ويرجع تاريخ هذا النموذج على الأقل إلى “جيمرجيت”، وهي حملة المضايقات التي دافع عنها يانوبولوس، والتي استهدفت النساء العاملات في مجال تطوير ألعاب الفيديو، وادعى مؤيدوها بدلاً من ذلك أنهم يواجهون مؤامرة موجهة ضدهم. وقد اعتادوا على استخدام عبارة “الحملة تدور في واقع الأمر حول أخلاقيات صحافة الألعاب“.

ويستخدم الرئيس الأميركي حسابه الخاص لاختبار حدود تويتر باستمرار، وقد أصبح حالياً محفزاً لدورة جديدة؛ ففي الأسبوع الماضي فقط، استخدم منصته لتضخيم نظريات مؤامرة تشير إلى أن مذيع قناة “إم إس إن بي سي”، جو سكاربوروف، قتلَ إحدى الموظفات. كما نشر معلومات مضللة حول التصويت عن طريق البريد، وذلك في سلسلة سابقة من التغريدات التي لم تكن تخضع لوسوم التدقيق في الحقائق. علاوة على ذلك، توجه الرئيس بالشكر لحساب “رعاة البقر من أجل ترامب” الذي نشر مقطع فيديو يظهر فيه رجلٌ مجهول الهوية، يقول إن “الديمقراطي الوحيد الجيد هو الديمقراطي الميت”. (وبعد هتافات الجماهير، يوضح المتحدث أنه كان يقصد التعليق “سياسياً”). يأتي هذا في الوقت الذي قام فيه أرمل الموظفة المتوفية، التي تدور حولها نظرية المؤامرة المتعلقة بسكاربوروف، بالتوسل إلى شركة تويتر لكي تتدخل.

وحتى يوم الخميس، لم تكن الشركة قد اتخذت أي إجراء ضد تلك التغريدات، بالرغم من أنها أشارت إلى أنها تعمل على توسيع نظام الوسوم، الذي تم استخدامه للتحذير من بعض تغريدات ترامب المتعلقة بالتصويت عبر البريد.

وحتى استخدام الوسم التحذيري للتدقيق في تغريدتي ترامب يوم الثلاثاء، كانت المنصة تتجنب تماماً تطبيق قواعدها على حساب الرئيس. وقد أشارت بعض التفسيرات إلى وجود ثغرات في تطبيقها بسبب الجدارة الإخبارية للمحتوى برغم مخالفته القواعد، ووضع ترامب بصفته رئيساً للحكومة.

وبالرغم من الافتقار إلى وجود أدلة تدعم ادعاءات حدوث تحيز منهجي من قبل وسائل التواصل الاجتماعي ضد المحافظين، إلا أن ترامب وعد مراراً وتكراراً بتناول هذه المسألة نيابة عن بعض مؤيديه البارزين. وفي عام 2018، اتهم الرئيس الأميركي شركة جوجل بـ “التلاعب” في نتائج البحث عن الأخبار، على حساب وسائل الإعلام المحافظة”، مكرراً نسخة من ادعاءٍ تداوله أنصاره -بما في ذلك مدونتي الفيديو دياموند وسيلك- في وسائل الإعلام المحافظة قبلها ببضعة أيام. كما ادعت كل من دياموند وسيلك (واسماهما الحقيقيان لينيت هارداواي وروشيل ريتشاردسون) في جلسة استماع عقدتها اللجنة القضائية في مجلس النواب، أن فيسبوك فرضت عليهما رقابة، في شهر أبريل الماضي، بسبب دعمهما لترامب.

وفي عام 2019، التقى ترامب بالرئيس التنفيذي لشركة تويتر جاك دورسي، وأشارت التقارير إلى أنه اغتنم الفرصة ليشكو من فقدان متابعيه على الموقع. وفي نفس اليوم الذي عُقد فيه هذا الاجتماع، وصف ترامب في إحدى تغريداته المنصة بأنها كانت “تمييزية للغاية”. ثم ذكر في تغريدة أخرى أن إدارته تراقب “عن كثب” شكاوى المحافظين من الرقابة المفروضة عليهم. وفي وقت لاحق من هذا العام، عقد الرئيس “قمة حول وسائل التواصل الاجتماعي” مع العشرات من أشد مؤيديه حماسة على شبكة الإنترنت، الذين أعربوا عن شكواهم الجماعية بأن جوجل وفيسبوك وتويتر تفرض عليهم رقابة.

بالطبع ليس من الضروري أن تكون أي من هذه الادعاءات حقيقية لكي تحظى بشعبية، وهو أمر يعرفه ترامب ومؤيدوه على الإنترنت جيداً، فهم يحتاجون فقط إلى الظهور بشكل مثير للجدل بما يكفي لجذب الانتباه، أو -الأفضل من ذلك- تحويل هذا الانتباه بعيداً عن أمر آخر.