Article image
مصدر الصورة: صور جيتي



حتى لو أعطت دول العالم المتقدم اللقاحات لمواطنيها خلال عام، فإن الطفرات الفيروسية وعدم استقرار الاقتصاد سيؤثران لسنوات على الدول التي لم تأخذ اللقاح.

2021-02-16 18:25:32

16 فبراير 2021

في الوقت الحالي، تعمل إيزابيل رودريغيز-باراكير عن بُعد من كولومبيا. وبصفتها عالمة أوبئة، كانت تراقب من بعيد زملاءها في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو بعد أن بدؤوا يتلقون اللقاحات التي أصبحت متوافرة للعاملين في المختبرات.

يختلف الوضع تماماً في المكان الذي تعيش فيه الآن. تعاني كولومبيا من الانتشار الواسع لفيروس كورونا وما زالت تنتظر وصول الجرعات الأولى من اللقاح هذا الشهر، فمن المتوقع أن تحصل على 50 ألف جرعة من لقاح شركتي فايزر وأسترازينيكا في شهر فبراير، وعلى مئات آلاف الجرعات في شهر مارس. أبرمت الدولة صفقات مباشرة مع شركات الصناعات الدوائية، بما فيها شركة سينوفاك الصينية، وتعمل للحصول على المزيد من خلال شراكات دولية. لكن رودريغيز-باراكير تخشى أن يكون الأوان قد فات.

تسير برامج اللقاح ضد فيروس كورونا على قدم وساق في أغنى دول العالم الآن؛ إذ تلقى ما يقرب من ربع السكان البالغين في المملكة المتحدة الجرعة الأولى من اللقاح. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لم تصل إلى تلك النسبة، إلا أن أكثر من 35 مليون شخص فيها حصلوا على جرعة واحدة على الأقل.

ولكن بالنسبة للبلدان ذات الدخل المنخفض في جميع أنحاء العالم، فإن الصورة مختلفة للغاية، وقد تبقى كذلك لبعض الوقت. فلا تزال العديد من الدول الفقيرة في العالم تنتظر وصول الجرعات الأولى إليها. وتشير تقديرات وحدة المعلومات الاقتصادية إلى أن حوالي 85 دولة نامية قد لا تتمكن من توزيع اللقاحات بالكامل حتى عام 2023 على أقرب تقدير. فعلى سبيل المثال، حذرت منظمة الصحة العالمية في شهر يناير من أن دولة غينيا الواقعة في غرب إفريقيا هي الدولة الوحيدة منخفضة الدخل التي بدأت بإعطاء اللقاحات في القارة، لكن لم يحصل على جرعة لقاح في تلك المرحلة سوى 25 شخصاً فقط (جميعهم من كبار المسؤولين الحكوميين، كما ذكرت وكالة أسوشييتد برس) من بين سكان الدولة البالغ عددهم حوالي 13 مليوناً.

يقول كريس ديكي، مدير برنامج الصحة العامة العالمية والبيئية في كلية الصحة العالمية بجامعة نيويورك، إن إحدى المشاكل الكبيرة هي عدم وجود أي طرح عالمي للقاح حتى الآن وإنما مجرد كلام عنه. وتتفق رودريغيز-باراكير معه في ذلك. وتقول: “يمكن تقليل حالات المرض والوفاة إذا كان هناك تنسيق عالمي أكبر بخصوص إمدادات اللقاحات”. 

لن يؤدي هذا الخلل إلى المزيد من الوفيات فحسب. بل سينجم عنه أيضاً الكثير من الآثار الاقتصادية والاجتماعية والصحية في الدول المتضررة وفي جميع أنحاء العالم.

حل مشكلة عدم المساواة في اللقاحات

إن كميات اللقاحات المخصصة للبلدان الفقيرة منخفضة في الغالب؛ لأن معظم اللقاحات المتوافرة قد تم تخصيصها أو شراؤها من قِبل البلدان الأكثر ثراءً في أميركا الشمالية وأوروبا. لحل مسألة عدم المساواة في اللقاحات، قام تحالف مؤلف من منظمات دولية، بما فيها منظمة الصحة العالمية وحكومات، بإنشاء منظمة غير ربحية تسمى كوفاكس في أبريل 2020.

كانت الفكرة هي توفير إمدادات عالمية من اللقاحات لـ 92 دولة ذات دخل منخفض ومتوسط. وفي شهر ديسمبر، أعلنت المنظمة غير الربحية أنها ضمنت الوصول إلى حوالي ملياري جرعة لعام 2021، من خلال التبرعات والالتزامات من بعض الشركات المصنعة، ولكن من غير الواضح عدد الجرعات التي سيتم تسليمها بالفعل هذا العام. تزداد المشكلة تعقيداً لأن العديد من البلدان تسعى لتحصيل اللقاح من خلال كوفاكس وتحاول عقد صفقات مع الشركات المصنعة بنفسها في آن واحد، ما يجعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة لكوفاكس لعقد صفقات مع هذه الشركات في نفس الوقت.

تهدف المجموعة إلى إيصال اللقاحات إلى حوالي 20% من الناس في العالم، مع التركيز على الفئات السكانية التي يصعب الوصول إليها في أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا. للقيام بذلك، تحتاج كوفاكس إلى 4.9 مليار دولار أخرى بالإضافة إلى 2.1 مليار دولار التي جمعتها بالفعل. إلا أن هناك بعض المشاكل الأخرى. فاللقاحات الأرخص والأسهل من ناحية النقل، مثل اللقاحات التي تعهدت بها شركة أسترازينيكا، كانت أبطأ في الحصول على موافقة الهيئات التنظيمية. وفي الوقت نفسه، يبدو أن الشركات الأخرى أقل اهتماماً بالمشاركة؛ إذ وجدت منظمة أطباء بلا حدود أن شركة فايزر منحت 2% فقط من إمداداتها العالمية لمنظمة كوفاكس، ولا تزال شركة مودرنا “تجري محادثات” مع المنظمة.

يقول باري بلوم، الباحث في الصحة العالمية في كلية تي إتش تشان للصحة العامة بجامعة هارفارد: “كوفاكس هي نقطة انطلاق مهمة كان لديها احتمال فشل كبير دون التزام من الرئيس بايدن. يبدو وضعها أفضل الآن، ولكن لا يزال من الممكن أن تفشل إذا لم تحصل على التمويل واللقاحات”. وقد قام بايدن رسمياً بتوجيه الحكومة الأميركية للانضمام إلى منظمة كوفاكس في أواخر شهر يناير. 

إذا نجح البرنامج الدولي، فإن له العديد من المكاسب؛ حيث يقول بلوم إنه يؤسس آلية للإنصاف لا تعتمد على العقليات الاستعمارية القائمة على المقايضة. كما أنه يُعفي كل دولة من الدول الغنية من الاضطرار إلى تحديد الدول والنسب التي ستحصل عليها من اللقاحات. ويقول: “هذه طريقة للقول إن شخصاً آخر سيتحمل المسؤولية، خاصة فيما يتعلق بوقت التسليم”.

لن ننعم بالأمان حتى ينعم به الجميع 

لا يعدّ الإيثار هو الدافع الوحيد لإيصال اللقاح إلى البلدان الفقيرة بسرعة أكبر، فالتطور سيؤثر سوءاً على أي تأخير. تعرض الفيروس بالفعل إلى العديد من الطفرات التي أدت إلى سلالات جديدة مثيرة للقلق، وستستمر هذه العملية بالحدوث. إذا انتظرت البلدان ذات الأعداد الكبيرة من السكان اللقاح لسنوات، فسيستمر الفيروس في التعرض للطفرات، وذلك إلى درجة قد يفقد فيها اللقاح الذي توافر أولاً فعاليته. سيكون ذلك سيئاً للجميع، لكن البلدان الفقيرة ستشعر مرة أخرى بأنها أكثر تأثراً بسبب وصولها المحدود إلى اللقاحات المطورة.

يقول بلوم: “يطرأ لدينا طفرات أكثر على الفيروس وتزيد لديهم الوفيات”. 

يشعر جَد والسون، الباحث في الصحة العالمية بجامعة واشنطن، بمزيد من القلق بشأن الآثار غير المباشرة للوباء في الدول النامية؛ حيث لا يحتل فيروس كورونا في العديد منها أي مرتبة في قائمة الأسباب العشرين الأولى للوفاة. وقد قامت الأنظمة الصحية بتوجيه الكثير من الموظفين والموارد للتعامل مع الوباء، مثل إنشاء مراكز للحجر الصحي وتنفيذ أنشطة الرصد وغيرها. بالإضافة إلى ذلك، انصرفت الجهات الممولة والوزارات عن تمويل برامج الإسهال والملاريا والمسببات الأخرى للوفيات.

نتيجة لذلك، تعثرت تلك البرامج الأخرى، حيث تنخفض معدلات اللقاح ضد أمراض مثل الحصبة والدفتيريا والكزاز والسعال الديكي، بسبب نقص المستلزمات والموظفين ولأن الناس يخشون الذهاب إلى المراكز الصحية. يقول والسون: “يتم إهمال كل تلك الأمور الأخرى التي تقتل الناس؛ لذا فإن عدم توفير لقاح للفيروس يمنع الحكومات من العودة إلى أولوياتها السابقة للجائحة”.

ومثلما يمكن لسلالات الفيروس أن تنتقل بسرعة في هذا العالم شديد الترابط، يمكن كذلك أن ينتقل عدم الاستقرار الاقتصادي. وتعدّ هذه خلاصة ورقة بحثية حديثة نشرتها مؤسسة غير ربحية تدعى المكتب القومي للأبحاث الاقتصادية. حيث قامت سيبنم كاليملي-أوزجان، الخبيرة الاقتصادية في جامعة ميريلاند، وزملاؤها بتحليل كيف أن التأخير في التوزيع العالمي للقاح سيؤثر على اقتصادات البلدان التي تلقى سكانها اللقاحات.

التكلفة الاقتصادية لعدم المساواة

وجد الفريق أن العالم الذي يتعين على الدول الفقيرة فيه أن تنتظر اللقاح سيشهد خسارة اقتصادية عالمية تبلغ حوالي 9 تريليونات دولار هذا العام، مع تكبّد الدول الغنية ما يقرب من نصف تلك الخسائر بسبب تدهور التجارة وخطوط الإمداد. (قدّرت دراسة مماثلة أجرتها مؤسسة راند أن الفشل في ضمان التوزيع العادل للقاح فيروس كورونا قد يكلف الاقتصاد العالمي ما يصل إلى 1.2 تريليون دولار سنوياً). في الواقع، فإن ضمان التوزيع العادل يصبّ في مصلحة الدول الاقتصادية المتقدمة. تقول كاليملي-أوزجان: “سترتد الكرة وتصيبك”.

نعم، عندما يتلقى غالبية السكان في البلدان الغنية اللقاحات، فقد تعود المطاعم وصالات الألعاب الرياضية إلى طبيعتها. ولكن هناك العديد من القطاعات الاقتصادية التي تعتمد على الشراء من الأسواق الناشئة، مثل متاجر البيع بالتجزئة والسيارات والمنسوجات والبناء. سيتضرر الجميع من التباطؤ الحاصل في تلك الأسواق. كما أن هذه البلدان غالباً ما تكون بمنزلة عملاء. تقول كاليملي-أوزجان: “إذا تحسن الوضع في الولايات المتحدة وأوروبا وأرادت بيع السلع، وإذا كانت تلك البلدان المراد البيع لها لا تزال تعاني من المرض، فلن تشتري تلك السلع. لا يوجد اقتصاد مستقل وحده كجزيرة، ولا يتعافى أي اقتصاد حتى تتعافى جميع الاقتصادات”.

على الرغم من أن العولمة ضاعفت من انتشار الجائحة، إلا أنها أيضاً الحل الوحيد لها، كما تقول كاليملي-أوزجان. لا تستطيع الدول الغنية منع المعاناة الاقتصادية عن طريق احتكارها للقاحات، بل يجب عليها الاستثمار في مبادرات لزيادة الكميات وتعزيز التوزيع. فعلى سبيل المثال، طلبت كندا جرعات لقاح بمقدار خمسة أضعاف الجرعات التي يحتاجها سكانها. تفكر الدولة في التبرع بالكمية الفائضة لمنظمة كوفاكس، ولكن ليس من الواضح كيف سيتم إعادة تلك اللقاحات إذا لم يتم استخدامها.

وقد افترضت الأبحاث أن البلدان الغنية ستحصل على اللقاحات في عام 2021 وأن ​​البلدان الأخرى ستنتظر حتى عام 2022، ولكن إذا امتدت الفجوة لعدة سنوات، فستكون المعاناة الاقتصادية أكبر بكثير.

من المرجح أن تأتي قومية اللقاحات، كما يُعرف احتكار الجرعات في بلد ما، بنتائج عكسية على الصعيدين السياسي والاقتصادي. يراقب الناس حول العالم لمعرفة متى تتوافر اللقاحات. ويقول والسون بأن ما يعنيه ذلك بالنسبة للنظرة السياسية للولايات المتحدة في العالم مهم حقاً، ويضيف: “ستغذي قومية اللقاحات إحساساً هائلاً بأننا لا نهتم إلا بأنفسنا فقط، وهذا من شأنه أن يصب الوقود على النار المشتعلة أصلاً ضد الغرب من قِبل البعض. أعتقد بأنه ستكون هناك عواقب طويلة الأمد لعدم حل مسألة عدم المساواة هذه”.

حلول أخرى

يعدّ تمويل منظمة كوفاكس هو الحل الفوري الأسرع. هناك أيضاً فرص لترخيص تقنية اللقاحات أو تسهيل حقوق الملكية الفكرية حتى تتمكن البلدان الناشئة من تطوير قدرتها إما على إنتاج لقاحات خاصة بها أو إكمال الخطوات النهائية للإنتاج، أو ما يعرف باسم “الإنهاء والتعبئة”.

يقول بلوم: “لا أفهم لماذا لا تستطيع جنوب أفريقيا وكينيا إنتاج اللقاحات، ولماذا لا تستطيع إثيوبيا وبوتسوانا القيام بالإنهاء والتعبئة”. ويقول إنه في بداية الوباء، لم يكن يتواجد في القارة الأفريقية سوى مكانين لديهما القدرة على إجراء اختبار كورونا، وازداد العدد إلى 11 في غضون شهر. كما أن البلدان الأفريقية وحّدت جهودها لإنشاء مركز لمكافحة الأمراض في القارة بأكملها وتبادل المعلومات وأفضل الممارسات بشأن كوفيد-19 بطريقة لا يتم إجراؤها في كافة الولايات الأميركية الخمسين حتى. 

ولكن الوقت هو عامل جوهري. وفقاً لمعدل الانتشار الحالي، من المحتمل أن يصاب 50% من سكان كولومبيا بحلول الوقت الذي تبدأ فيه حملات اللقاح الجماعية. تخشى رودريغيز-باراكير من تبعات ذلك على بلدها الذي نشأت فيه، بقولها: “ما يثير القلق هو أن الأمر سيكون متأخر جداً، فالجائحة مستمرة حتى تنتهي من تلقاء نفسها”.