إذا تمت عملية الإطلاق كما خُطط لها، فسوف تكون أول بعثة فضائية مأهولة تنطلق من الأراضي الأميركية منذ سنوات، وستمثل بداية حقبة جديدة للصناعة الفضائية.

2020-05-27 17:34:14

27 مايو 2020
Article image
سيكون رائدا الفضاء من ناسا، روبرت بينكين ودوجلاس هيرلي، أول رائدي فضاء ينطلقان إلى المدار في إطار بعثة تجارية.
مصدر الصورة: سبيس إكس

يوم الأربعاء 27 مايو، الساعة 4:33 مساء بتوقيت شرق الولايات المتحدة [أي في تمام الساعة 12:33 صباحاً من يوم 28 مايو بتوقيت دبي]، سينطلق رائدا الفضاء بوب بينكين ودوج هيرلي إلى المدار للتلاقي مع محطة الفضاء الدولية. قد تبدو هذه البعثة اعتيادية، ولكنها في الواقع تتميز بثلاثة أمور: ستكون البعثة الأولى التي سينطلق فيها رواد فضاء أميركيين إلى الفضاء من الأراضي الأميركية منذ حوالي تسع سنوات، وستكون البعثة الأولى في التاريخ من حيث استخدام صاروخ تجاري ومركبة فضائية تجارية للوصول إلى المدار الأرضي الأدنى، وستكون البعثة المأهولة الأولى لسبيس إكس في تاريخها الذي يعود إلى 18 سنة. 

تحمل البعثة اسم ديمو-2، وستنطلق من مركز كينيدي الفضائي في فلوريدا. سيحلق بينكين وهيرلي إلى محطة الفضاء الدولية على متن كرو دراجون من سبيس إكس، محمولة على الصاروخ الأساسي للشركة، فالكون 9. قد تدوم البعثة ما بين 30 إلى 119 يوماً، وذلك وفقاً لحالة كرو دراجون وحاجة ناسا لإبقاء الرائدين على متن المحطة للمساعدة في العمليات هناك. لن تتخذ الوكالة أي قرار بهذا الشأن قبل وصول الرائدين إلى المدار. وعلى أي حال، فإن الفترة القصوى للبعثة هي 119 يوماً، لأن المصفوفات الشمسية لكرو دراجون غير مصممة حالياً لتحمل تراجع الأداء لأكثر من 120 يوماً.

لن يُحدد موعد إطلاق البعثة التالية لكرو دراجون نحو محطة الفضاء الدولية، كرو-1، قبل عودة البعثة ديمو-1 بأمان إلى الأرض. تتضمن مخططات هذه البعثة نقل رائد فضاء ياباني واحد وثلاثة رواد أميركيين إلى الفضاء، وذلك على متن نسخة أخرى من الكبسولة صُممت للبقاء 210 أيام في المدار.

لم تقم ناسا بإرسال بشر إلى الفضاء انطلاقاً من الأراضي الأميركية منذ أن حلق المكوك الفضائي لآخر مرة في 21 يوليو، 2011. لطالما كانت خطط ناسا تقوم على تسليم بعثاتها نحو المدار الأرضي الأدنى إلى القطاع الخاص، بدءاً ببعثات الإمدادات نحو محطة الفضاء الدولية، وصولاً إلى نقل رواد الفضاء أنفسهم عبر برنامج الطاقم التجاري CCP. وقعت ناسا عقوداً ضخمة مع بوينغ وسبيس إكس لبناء المركبات المأهولة المطلوبة، وكانت تأمل بأن تحصل على هذه المركبات بجاهزيتها الكاملة للعمل في 2017.

في هذه الأثناء، دفعت ناسا لروسيا أكثر من 4 مليارات دولار لنقل روادها إلى محطة الفضاء الدولية على متن بعثات سويوز. ولكن الجدول الزمني تغير وامتد، ما أرغم ناسا على دفع مبالغ إضافية لرحلات سويوز، ووصل الأمر إلى حد ظهور احتمال خواء محطة الفضاء الدولية للمرة الأولى منذ عقدين. ونظراً للأعباء المادية، وتراجع العلاقات الأميركية–الروسية على مدى العقد المنصرم، تعرضت ناسا للمزيد من الضغوط لإنهاء اعتمادها على سويوز. إذا نجحت بعثة ديمو-2، فسوف يصبح لدى ناسا خيار أفضل لبرنامج الرحلات الفضائية المأهولة.

فشلت سبيس إكس وبوينغ، بشكل شبه كامل، في الالتزام بالجدول الزمني. وعلى الرغم من أن سبيس إكس نجحت في جميع الاختبارات الهامة بجدارة، فقد تعرضت إلى أكبر نكسة لها في أبريل، 2019، عندما دُمرت إحدى كبسولات كرو دراجون بسبب حريق على منصة الإقلاع، وذلك بعد شهر وحسب من نجاح المركبة في رحلة تجريبية غير مأهولة. في نهاية المطاف، أدى الانفجار إلى تأجيل ديمو-2 إلى 2020. أما الرحلة الاختبارية في ديسمبر لمركبة ستارلاينر فلم تصل حتى إلى محطة الفضاء الدولية، وذلك بسبب واحد من الأخطاء البرمجية الكثيرة. ستكرر بوينغ هذه البعثة في وقت لاحق في الخريف

غير أن بعثة الأربعاء تمثل قفزة كبيرة نحو الأمام لكل من سبيس إكس وصناعة الفضاء التجارية. يرغب إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لسبيس إكس، بإرسال البشر إلى المريخ يوماً ما على متن مركبة ستارشيب، وتأسيس نظام نقل مستدام ما بين الكواكب. تمثل كرو دراجون الخطوة الأولى نحو تحويل سبيس إكس إلى شركة لنقل البشر إلى الفضاء، كما يُتوقع أن هذه المركبة ستقوم بتنفيذ بعثات خاصة لنقل رواد الفضاء والسياح في السنوات اللاحقة. إذا نجحت البعثات المأهولة الأولى لكرو دراجون وستارلاينر، فسوف تثبت فعالية تكنولوجيا شركات الفضاء الخاصة، على الرغم من أن هذه الشركات ما زالت في حاجة إلى إثبات جدواها الاقتصادية.

لم يكن برنامج الطاقم التجاري مجرد بادرة خيّرة من ناسا لإتاحة الفرص أمام صناعة الفضاء الخاصة، بل كان أيضاً وسيلة لتوفير الأموال؛ ففي ذروة برنامج المكوك الفضائي، كانت كل بعثة تكلف نحو 1.8 مليار دولار، وفقاً لقيمة الدولار في 2020. أما الآن، تدفع ناسا لسبيس إكس 55 مليون دولار عن كل رائد فضاء في كل بعثة لكرو دراجون. وفقاً لتحليل حديث من مؤسسة بلانيتاري سوسايتي اللاربحية، تشير التقديرات إلى أن ناسا استثمرت 6.6 مليار دولار فقط في مشروعي كرو دراجون وستارلاينر، وهو أقل بكثير مما كانت الوكالة ستنفقه على الأرجح في تطوير مركبتها الخاصة للنقل إلى المدار الأرضي الأدنى. بدلاً من ذلك، ركزت ناسا مواردها الخاصة على تطوير الهندسة المعمارية للفضاء العميق للعودة إلى القمر، والذهاب في نهاية المطاف إلى المريخ (وهو برنامج آخر تخلف عن جدوله الزمني).

نالت ناسا وسبيس إكس الكثير من الانتقادات بسبب قرارهما بمواصلة العمل على ديمو-2 في ظل انتشار وباء كوفيد-19. وكانت لوري جارفر، التي شغلت منصب نائب مدير ناسا، أحد أبرز معارضي هذا القرار، وقد قالت في أبريل لمجلة ذا أتلانتيك: “لا أعتقد أن المخاطرة بالكثير من الأرواح لإرسال شخصين إلى نفس المكان الذي كنا نذهب إليه على مدى عشرين سنة أمر يستحق هذه الأولوية”.

تم إبطاء أو إيقاف الكثير من مشاريع ناسا بسبب الوباء، غير أن برنامج الطاقم التجاري كان أحد البرامج القليلة التي واصلت عملها كالمعتاد. وعلى الرغم من أن الوكالة قللت قدر الإمكان من احتكاك بينكين وهيرلي مع العالم الخارجي، ما زال المئات من موظفي ناسا وسبيس إكس المطلوبين لتنفيذ عملية الإطلاق معرضين لخطر فيروس كورونا. تقول ناسا وسبيس إكس إنهما تتخذان جميع الاحتياطات اللازمة للمحافظة على التباعد بين العاملين في موقع الإطلاق، وتقومان بتشغيل الموظفين على نوبات للتخفيف من الاحتكاك فيما بينهم. طُلب من المهتمين البقاء في منازلهم ومراقبة الإقلاع عن بعد. قال جيم برايدنستاين مدير ناسا في تغريدة له في أبريل الماضي: “لا يوجد فيروس أقوى من رغبة الاستكشاف لدى البشر”. كما عبر ماسك علناً عن معارضته لإجراءات الحجر وإغلاق البلاد، بل إنه حتى أعاد فتح مصنع لتسلا في فريمونت بكاليفورنيا، في تحدٍّ علني لأوامر البقاء في المنزل. إذا تم تأجيل ديمو-2، فلن يحدث هذا بسبب فيروس كورونا.