Article image
مصدر الصورة: أيفان باندورا عبر أنسبلاش



تقلل هذه الطريقة من الانبعاثات الكربونية فقط إذا تجاهلنا حاجتها إلى مساحات أكبر بكثير من الأراضي.

يمكن للأساليب العضوية أن تخفف من التلوث المناخي الذي ينتج عن الزراعة مباشرة، وهو ما يمكن أن يكون رائعاً لولا أنها تتطلب مساحات إضافية من الأراضي لإنتاج نفس المقدار من الغذاء. فقد وجدت دراسة جديدة في مجلة  Nature Communications أن إخلاء مساحات إضافية من الأراضي العشبية أو الغابات لتعويض هذا الفرق يمكن أن يؤدي إلى إطلاق غازات الدفيئة بكمية أكبر مما تنتجه أساساً.

واستنتجت أبحاث حديثة أخرى أيضاً أن الزراعة العضوية تنتج من التلوث المناخي أكثر من الطرق العادية إذا أخذنا مساحات الأراضي الإضافية المطلوبة بعين الاعتبار. وفي البحث الجديد، ألقى باحثون من جامعة كرانفيلد البريطانية نظرة أكثر شمولية على هذا السؤال، وذلك بتحليل ما يمكن أن يحدث إذا انتشرت هذه الطريقة بشكل كامل في إنجلترا وويلز. الخبر السار هو أن هذا سيؤدي إلى تخفيض انبعاثات غازات الدفيئة المباشرة الناتجة عن المواشي بنسبة 5% وعن زراعة المحاصيل بنسبة 20% لكل واحدة إنتاج. أما الخبر السيئ فهو أن هذا سيؤدي أيضاً إلى تخفيض الإنتاجية بنسبة 40%، مما سيدفع بالبريطانيين الجياع إلى استيراد المزيد من الأغذية من الخارج. وإذا حصلنا على نصف الأراضي المطلوبة لتعويض هذه الزيادة في الطلب من المساحات الخضراء، وهي التي تخزن الكربون في أنسجة النباتات وجذورها وتربتها، فسوف يؤدي هذا إلى زيادة إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 21%.

وتتجنب الزراعة العضوية استخدام الأسمدة الاصطناعية، ومبيدات الحشرات، والمتعضيات المعدلة جينياً، إضافة إلى أشياء أخرى، وجميعها تستطيع زيادة المحاصيل المنتجة في واحدة المساحة. وبدلاً من ذلك، يعتمد المزارعون العضويون على أشياء مثل روث الحيوانات وخلائط الأسمدة العضوية، ويستخدمون أساليب محددة في الزراعة مثل تناوب المحاصيل، أي زراعة نباتات مختلفة عبر أوقات السنة لتحسين صحة التربة.

وتلحظ الدراسة أن هذه المواد العضوية تنتج انبعاثات أقل من الأسمدة الاصطناعية المبنية على النيتروجين، خصوصاً غاز الدفيئة أكسيد النتروس ذا المفعول القوي للغاية. ويمكن زيادة مقدار الكربون المخزن في التربة باستخدام الروث وتناوب المحاصيل على فترة طويلة، بشكل منفصل.

أما تأثير الانبعاثات الصادرة عن إنتاج اللحوم والحليب والبيض من المواشي المربّاة عضوياً فهو أكثر تعقيداً؛ فمن ناحية، يمكن أن تزداد الانبعاثات لأن الحيوانات لا تكبر بنفس السرعة دون استخدام الهرمونات والمكملات الغذائية والعلف التقليدي. وهو ما يؤدي إلى زيادة عمر الحيوانات ويمنحها بالتالي المزيد من الوقت حتى تطلق الميثان، وهو أيضاً أحد غازات الدفيئة قوية المفعول. ومن ناحية أخرى، فإن السماح للحيوانات بإمضاء وقت أطول وهي ترعى في المراعي المفتوحة يمكن أن يحفز من نمو النباتات التي تخزن المزيد من ثنائي أكسيد الكربون، ويخفف في نفس الوقت من الانبعاثات الصادرة عن العلف التقليدي.

غير أن المشكلة الأكبر بالنسبة للمحاصيل والمواشي هي أن هذه الأساليب تتطلب في نهاية المطاف مساحات أكبر من الأراضي لإنتاج نفس الكمية من الغذاء.

إن الهدف الأساسي من السماد الاصطناعي هو تحسين إنتاجية المحاصيل، وذلك بتقديم شكل “ثابت” من النيتروجين الذي يحفز نمو النباتات. وتلحظ الدراسة أن المحاصيل المختلفة التي يستخدمها المزارعون في عملية تناوب المحاصيل للمساعدة على تحويل الهيدروجين إلى مركبات أكثر قابلية للتفاعل في التربة تقلل إلى حد كبير من محاصيل غذائية أخرى يمكن إنباتها بأساليب أخرى.

وتحديداً، يتطلب الانتقال إلى أساليب عضوية بالكامل أراضي إضافية بمساحة تساوي 1.5 ضعف من مساحة الأراضي المزروعة حالياً للتعويض عن النقص، وهو ما قد يصل إلى خمسة أضعاف الأراضي الخارجية التي تعتمد عليها إنجلترا وويلز حالياً للغذاء. كما أن هذا الفرق سيتضخم لأن النظام الزراعي البريطاني ينتج محاصيل ذات إنتاجية عالية للغاية مقارنة بأجزاء أخرى من العالم.

وتتجاوز الآثار التي توصلت إليها هذه الدراسة ما وجدته بعض الأبحاث السابقة. وعلى الخصوص، فقد وجد تحليل متعدد الاختصاصات نُشر عام 2012 في مجلة Nature أن إنتاجية الزراعة العضوية أقل من إنتاجية الزراعة التقليدية بنسبة تتراوح بين 5% و34%، وذلك حسب المحصول وتفاصيل العمل. إضافة إلى ذلك، فقد أشارت تقديرات دراسة نشرت عام 2017 في مجلة Nature Communications  إلى أن الزراعة العضوية ستزيد من مساحة الأراضي المستخدمة بنسبة 16% إلى 33% فقط.

وقد اعتمدت الدراسة الجديدة على تقييم كامل النظام الزراعي في إنجلترا وويلز؛ وذلك للتعامل مع بعض الانتقادات التي وُجِّهت إلى التقديرات السابقة للانبعاثات الصادرة عن الأساليب العضوية، التي كانت غالباً محصورة بمزارع أو محاصيل محددة، كما يقول دان بلاوستاين ريتو، المدير المساعد المختص بالغذاء والزراعة في مؤسسة بريكثرو، وهي مجموعة دراسات تروج للحلول التكنولوجية للمشاكل البيئية: “إن إجراء الدراسة على مستوى المَزارع لا يعطي فكرة صحيحة عما سيؤدي إليه انتقال شامل إلى الأسلوب العضوي، ولا بد من إجراء دراسة مثل هذه على مستوى النظام”.

ويحتاج العالم إلى إيجاد وسائل للتخفيف من الانبعاثات والملوثات البيئية الصادرة عن الأسمدة الاصطناعية، ولكن الأمر الصعب هو الانتقال إلى ممارسات نظيفة بشكل لا يتطلب مساحات إضافية من الأراضي للزراعة أو يؤدي إلى مجاعة الكثير من البشر. ومن الطرق الأخرى التي يعمل عليها الباحثون والشركات الناشئة هو تطوير مواد زراعية جديدة تخفض من الانبعاثات دون التقليل من الإنتاجية، ومحاصيل قادرة على امتصاص كميات أكبر من النيتروجين من التربة، وبدائل متنوعة للحوم والحليب.


شارك



محرر رئيسي في مجال الطاقة، إم آي تي تكنولوجي ريفيو