Article image
إحدى عمليات إطلاق سبيس إكس لمجموعة من أقمار ستارلينك إلى المدار.
مصدر الصورة: سبيس إكس



من المرجح أن يؤدي الانتشار الواسع للأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي الأدنى إلى تغيير في حياة الزبائن الذين كانوا يعانون للحصول على الإنترنت عالي السرعة، بشرط أن يكونوا قادرين على دفع التكاليف.

2021-09-13 21:30:16

13 سبتمبر 2021

يعيش ألان وودوورد في منطقة ريفية في جنوب غرب بريطانيا. ويصف المنطقة مازحاً بأنها تحوي من رباعيات الأرجل أكثر من ثنائيات الأرجل. ويعمل وودوورد أستاذاً في علوم الحاسوب بجامعة سوري، ويتمحور عمله بشكل أساسي حول الأمن السيبراني، والاتصالات، والحوسبة الجنائية. وهو بالتالي يحتاج إلى اتصال جيد بالإنترنت، وعلى الرغم من هذا، لم يساعده حظه في هذه المسألة.

ويقول: “لقد اشتركت في العديد من الخدمات التي قدمت ما تزعم أنه اتصال عالي السرعة بالإنترنت؛ فقد باءت جميعاً بالفشل، ولم تتمكن خدمة واحدة من تقديم اتصال جيد. هل من الممكن حتى أن نحاول إيصال كابل ضوئي إلى هذا المنزل؟ مستحيل، إنهم يرفضون حتى تقديم كلفة تقديرية لهذا العمل. نحن في أزمة لا يمكن الخروج منها”. ويكمل مازحاً أنه عند الحاجة إلى إرسال ملفات كبيرة إلى زملائه، فمن الأفضل له أن يبعث وحدات تخزين USB بالبريد بدلاً من محاولة استخدام الويب.

ولكن منذ بضعة أسابيع، تغير هذا الوضع أخيراً، بفضل ستارلينك. فقد أصبح وودوورد أحد المستخدمين التجريبيين لخدمة الإنترنت من سبيس إكس، التي تعتمد على أسطول متزايد الحجم من 1,600 قمر اصطناعي تدور حول الأرض لإيصال الإنترنت إلى الناس على سطح الأرض. وبحلول نهاية يوليو، أبلغت الشركة عن وصول عدد المستخدمين إلى 90,000 مستخدم. يقول وودوورد: “خلال الأسابيع الأولى، تحولت إلى معجب حقيقي بستارلينك”.

ويضيف قائلاً: “وبالنسبة لأي شخص كان يعيش في المناطق النائية مثلي، ستصبح ستارلينك أقرب إلى حلم تحول إلى واقع”.

غير أن ستارلينك لم تُصمم فقط لإيصال الإنترنت إلى سكان المناطق النائية من أساتذة الجامعات المختصين بالأمن السيبراني. فقد أطلقت سبيس إكس مزاعم أكبر من هذا؛ حيث تأمل بإيصال الإنترنت عالي السرعة إلى الكثيرين من سكان الكوكب الذين يفتقرون إلى هذه الخدمة حالياً، والذين يصل عددهم إلى حوالي 3.7 مليار شخص. ويتدبر الكثيرون أمرهم ببساطة باستخدام الاتصال بالشبكات الخليوية، وهو حل باهظ التكاليف. (وعلى سبيل المثال، تبلغ كلفة 1 جيجابايت في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا حوالي 40% من متوسط الأجور الشهرية هناك).

وطبعاً، يجب أيضاً أن نأخذ بعين الاعتبار من يمتلكون اتصالاً بالإنترنت ولكن يفتقرون إلى اتصال عريض الحزمة؛ ففي الولايات المتحدة، يمكن للجميع تقريباً الوصول إلى الإنترنت، ولكن يوجد ما يُقدر بحوالي 42 مليون شخص ليس لديهم إنترنت عريض الحزمة. وحتى بوجود الإنترنت عريض الحزمة، تقدر مايكروسوفت أنه يوجد 157 مليون أميركي، يعيش معظمهم في التجمعات السكانية الريفية، من لا يستخدمون الإنترنت بسرعات الحزمة العريضة، التي تبدأ من 25 ميجابت في الثانية. إضافة إلى ذلك، فإن التجمعات السكانية للأميركيين الأفارقة تفتقر بنسبة أعلى من غيرها إلى الوصول إلى الإنترنت عريض الحزمة، حتى عندما تكون مجاورة للتجمعات السكانية التي تتضمن نسبة أكبر (وأكثر ثراء) من ذوي البشرة البيضاء. بعد تجاوز كوفيد، عندما كان معظم الأشخاص يعتمدون على الإنترنت كمهرب وحيد، أصبح من الصعب أن نفكر في أن الإنترنت عالي السرعة ما زال يمثل رفاهية مستحيلة بالنسبة للبعض.

ولسوء الحظ، ليس من الواضح ما إذا كانت ستارلينك ستتمكن حقاً من حل هذه المشكلة العامة. وقد قال مؤسس سبيس إكس إيلون ماسك في مؤتمر صحفي في يونيو: “إن هذه الشبكة مخصصة فعلياً للمناطق المسكونة بشكل متفرق. أما في المناطق عالية الكثافة، فسوف يكون عدد عملائنا محدوداً”. إضافة إلى ذلك، فإن الكثيرين من سكان المناطق الريفية في العالم لن يتمكنوا من الحصول على هذه الخدمة؛ لأنهم غير قادرين على تحمل تكاليفها.

ويجب على ستارلينك تخفيض التكاليف بسرعة من أجل توسيع قاعدة عملائها، ولكن يجب من ناحية أخرى أيضاً أن تجني ما يكفي من الأموال للاستمرار في إطلاق المئات وحتى الآلاف من الأقمار الاصطناعية في كل عام. إنه توازن دقيق، وقد يكون تحقيقه مستحيلاً.

الأسعار

عادة ما تعتمد خدمات الإنترنت النموذجية على وضع بضعة أقمار اصطناعية وحسب في مدارات عالية للغاية، تسمى بالمدارات الأرضية المستقرة. وعلى ذلك الارتفاع، يستطيع قمر اصطناعي واحد تأمين التغطية لمناطق أكثر اتساعاً، ولكن التأخير الزمني يصبح أكبر. وقد لجأ وودوورد إلى خدمات كهذه من قبل، ولكنه وجدها على الدوام “عديمة الفائدة”.

وبدلاً من ذلك، فإن ستارلينك والشبكات المنافسة، مثل ون ويب وأمازون كايبر، تعتمد على وضع عشرات الآلاف من الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي الأدنى. ويسمح قربها من الأرض بتخفيض زمن التأخير إلى حد كبير. وفي حين يغطي كل قمر اصطناعي منطقة أصغر، فإن العدد الكبير لهذه الأقمار يعني نظرياً تغطية كاملة للكوكب، ومنع أي انقطاع للاتصال.

وقد بدأت ستارلينك باختبار خدمتها في العام الماضي، التي تتوافر حالياً في 14 دولة. وفي ديسمبر الماضي، قدمت هيئة الاتصالات الفدرالية في الولايات المتحدة مبلغ 886 مليون دولار إلى سبيس إكس كجزء من خطة صندوق الفرص الرقمية الريفية (RDOF)، الذي يقدم الدعم الحكومي لشركات الاتصالات الأميركية التي تبني البنى التحتية اللازمة لإيصال الإنترنت عريض الحزمة إلى المناطق الريفية.

ولكن، ليس من الواضح تماماً ما إذا كان سكان مناطق أميركا الريفية جزءاً فعلياً من قاعدة عملاء ستارلينك. وهنا، تمثل التكلفة المشكلة الأكبر؛ حيث يبلغ اشتراك ستارلينك 99 دولاراً. وعلى الرغم من أن السرعات يمكن أن تتباين إلى حد كبير، فإن المستخدم العادي يمكن أن يتوقع الحصول على سرعة 50 إلى 150 ميجابت في الثانية. وتتقاضى شركات إنترنت الأقمار الاصطناعية التقليدية، مثل فياسات (التي تعتمد على أقمار اصطناعية في المدار الأرضي المستقر) ضِعف هذا المبلغ لنفس السرعات. هذا ليس سيئاً.

ولكن الصدمة الحقيقية مع ستارلينك تتجسد في تكاليف التجهيز الأولية؛ حيث تبلغ تكاليف التجهيزات مثل طبق الاستقبال للأقمار الاصطناعية والراوتر قيمة كبيرة تساوي 499 دولاراً، وهي تجهيزات تُباع إلى العملاء بشكل خاسر. وقد قال مؤسس سبيس إكس إيلون ماسك سابقاً إنه يأمل في تخفيض هذه التكاليف إلى حوالي 250 دولار، ولكن ليس من الواضح متى سيحدث هذا، أو ما إذا كان سيحدث في المقام الأول. وبالنسبة للكثير من المناطق الريفية في العالم، سواء في أميركا أو اي مكان آخر، فإن هذا السعر ببساطة مرتفع للغاية.

إذن، من سيكون أول مستخدمي ستارلينك؟ إن المتطلبات الفيزيائية والمالية لبناء الأقمار الاصطناعية وإطلاقها إلى المدار (وهي عملية ما زالت مكلفة للغاية، على الرغم من أنها أصبحت أقل تكلفة من قبل) تقتضي أن ستارلينك ستبدأ العمل بشكل خاسر لبعض الوقت، وذلك وفقاً لديريك تيرنر، وهو محلل في السياسات التكنولوجية في منظمة فري بريس اللاربحية التي تدعم الاتصالات المفتوحة. وبالتالي، فإن تخفيض التكاليف يعني ضرورة البحث عن عملاء آخرين غير الأشخاص الذين يعانون من صعوبة في الاتصال بسبب سكنهم في الريف.

وبدلاً من ذلك، فقد تتضمن قائمة أول العملاء المؤسسات العسكرية الأميركية، الذي يعتمد في أغلب الأحيان عند العمل في المناطق النائية على الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المستقر، والتي تعاني من التزاحم على الخدمة والتأخير الكبير. وقد أبدى كل من سلاح الجو الأميركي والجيش الأميركي اهتماماً بتجربة خدمات ستارلينك. وقد أشار بعض الخبراء إلى الانسحاب المضطرب والمليء بالمشاكل من أفغانستان كمثال على وضع كان يمكن أن تلعب فيه هذه الخدمة دوراً إيجابياً.

كما أن بعض شركات الطيران بدأت بدراسة إمكانية استخدام ستارلينك لتقديم خدمات الإنترنت إلى الركاب أثناء الرحلات بشكل أسرع وأكثر استقراراً. كما قد تجد بعض الشركات والمؤسسات الأخرى في المناطق الريفية فائدة في هذه الخدمة أيضاً. وبالطبع، يجب ألا ننسى الزبائن من هواة التكنولوجيا والفضوليين الساكنين في الضواحي والمدن، والمستعدين لإنفاق الأموال على هذه التجربة.

ووفقاً لوجهة نظر تيرنر، فإن إضافة هؤلاء العملاء يمكن أن يساعد على تخفيض الأسعار للجميع، ولكنه يعني أيضاً التقليل من عرض الحزمة الذي يمكن توزيعه. ويمكن لستارلينك أن تتخلص من هذه المشكلة بإطلاق المزيد من الأقمار الاصطناعية، وهو ما تخطط لفعله في نهاية المطاف، بشرط وجود عدد كافٍ من المشتركين.

وقد قال ماسك إنه يجب إنفاق رأس مال يصل إلى عشرات المليارات من الدولارات قبل أن تصل ستارلينك إلى سعة كافية لتوليد الأرباح. وعلى الرغم من أن ستارلينك أطلقت 1,600 قمر اصطناعي إلى الفضاء دون مشكلة تذكر، فإن الهدف النهائي بإطلاق 42,000 قمر اصطناعي أمر مختلف كلياً. ويقول تيرنر: “لا يمكن تضخيم شبكة الأقمار الاصطناعية بنفس سهولة تضخيم شبكات الحزمة العريضة السلكية”. ليس من الواضح حتى الآن عدد الأقمار الاصطناعية التي ستحتاجها ستارلينك لتقديم خدمة الإنترنت عالي السرعة بشكل موثوق إلى مئات أو آلاف أو حتى ملايين المستخدمين الذين سيسجلون دخولهم في نفس الوقت.

وبالنسبة للكثير من العملاء، خصوصاً الشركات التجارية، توجد بدائل قادرة على تلبية احتياجاتهم بدلاً من ستارلينك، وبتكاليف أقل؛ حيث إن المزارع الذي يعتمد على حساسات ذكية لتتبع أشياء مثل حالة الطقس المحلية وظروف التربة لا يحتاج إلى إنترنت عريض الحزمة لوصل هذه التجهيزات. وهنا يأتي دور بعض الشركات الأصغر، مثل شركة سوورم الأميركية، التي تستخدم أسطولاً مؤلفاً من أكثر من 120 قمراً اصطناعياً صغيراً لوصل أجهزة إنترنت الأشياء لحالات مماثلة. وتقدم سوورم (التي استحوذت عليها سبيس إكس مؤخراً) عروضاً لاستخدام بيانات الإنترنت تبدأ بقيمة 5 دولارات في الشهر وحسب. وبالطبع، إذا كنت في منطقة تتضمن الكثير من السكان، فإن إنفاق 99 دولاراً في الشهر على خدمات مزود إنترنت آخر سيمكنك على الأرجح من الحصول على سرعات أقرب إلى 1,000 ميجابت في الثانية.

تتبع الخطوات

ظاهرياً، قد تشير منحة صندوق الفرص الرقمية الريفية في هيئة الاتصالات الفدرالية لستارلينك إلى أن المناطق الريفية في أميركا جزء أساسي من طريقة نمو ستارلينك. ولكن تيرنر يقول إن هذه الفكرة غير صحيحة، وأنه كان يجب منع سبيس إكس من تقديم الطلبات إلى هذا الصندوق في المقام الأول؛ لأنها ستبني شبكة ستارلينك على أي حال. ويقول: “أعتقد أنه كان من الأجدر بهيئة الاتصالات الفدرالية أن توجه مواردها نحو تأسيس بنى تحتية مضمونة المستقبل لإنترنت الحزمة العريضة في المناطق التي قد لا يبدو نشرها فيها ذا جدوى اقتصادية مقبولة”.

وقد ترأست جيسيكا روزنوورسيل -رئيسة مجلس إدارة هيئة الاتصالات الفدرالية بالوكالة- عملية تدقيق في السنة الماضية لدراسة كيفية تقديم الدعم الحكومي من صندوق الفرص الرقمية الريفية تحت إدارة سلفها، أجيت باي، ووجدت أن مليارات الدولارات قُدمت إلى بعض الشركات لنشر الإنترنت عريض الحزمة في أماكن غير ضرورية أو مناسبة، مثل “مواقف السيارات والمناطق الحضرية المخدّمة بشكل جيد”. ووفقاً لتقديرات فري بريس، فإن حوالي 111 مليون دولار من الدعم المخصص لسبيس إكس سيُنفق على مناطق حضرية أو مناطق لا تتضمن أي بنى تحتية حقيقية ولا يوجد فيها حاجة إلى الاتصال بالإنترنت، مثل منصفات الطرقات السريعة. وقد طلبت هيئة الاتصالات الفدرالية من هذه الشركات، بما فيها سبيس إكس، أن تعيد جزءاً من هذه الأموال. (لم تستجب سبيس إكس لأسئلتنا أو طلبنا بالتعليق).

يعترف تيرنر بأن الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي الأدنى “ستكون ابتكاراً هاماً للغاية في مجال الاتصالات”. ولكنه ما يزال يعتقد أن خدمات مثل ستارلينك ستكون منتجاً محدودَ الجمهور في الولايات المتحدة، حتى على المدى الطويل، ويرى أن التوجه العام السائد أقرب إلى نشر الإنترنت بكابلات الألياف الضوئية. فحتى التكنولوجيات الناشئة مثل اتصالات الجيل الخامس تعتمد على شبكة عالية الكثافة من الهوائيات التي تحاول نقل الإشارات إلى الألياف الضوئية في أسرع وقت ممكن. لقد تحسنت خدمة الحزمة العريضة السلكية بشكل متواصل وثابت؛ لأن الشركات بدأت تنشر شبكات الألياف الضوئية بشكل أعمق وأقرب من الزبائن.

بالنسبة للمناطق غير المخدمة في العالم، قد تبدو ستارلينك أمراً رائعاً، بما أن الكثير من هذه الأماكن لا تحتوي على شبكات فيزيائية مثل نظام الكابلات الذي أسسته الولايات المتحدة في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات. ولكن الاختبارات الأولية محصورة حتى الآن بالولايات المتحدة، وكندا، وبعض المناطق في أوروبا، وأستراليا، ونيوزيلندا، وتشيلي. ما زال من المبكر أن نحاول تحديد تأثير هذه الشبكة على المناطق النامية، خصوصاً مع التكاليف المرتفعة للاشتراك والتجهيزات.

وتمثل تجربة وودوورد المثالَ الذي ترغب الشركة في تكراره مع جميع عملائها. ولكن وودوورد يدرك جيداً أنه محظوظ لقدرته على تحمل تكاليف ستارلينك، وقدرته على تلبية احتياجاته، للوقت الراهن على الأقل. ويقول: “سيكون من المثير للاهتمام أن نرى كيف ستعمل ستارلينك بوجود 200,000 مستخدم؛ حيث يجب أن تنخفض الأسعار، ولكن يجب أن تحافظ السرعات ومستوى الخدمة على مستوى ثابت، وسنرى ما سيحدث لاحقاً”.