تكشف الدراسة الأولى للطريقة التي تتراكم بها أخشاب الأشجار في الأنهار بأن هذه الأخشاب التي تبدو عالقة تتحرك بشكل ثابت وبطيء على طول النهر.

Article image
حقوق الصورة: بار بارسون / أنسبلاش

إحدى العواقب المعروفة بشكل أقل لحرائق الغابات هي تجمّع أخشاب الأشجار العالقة في الأنهار، أي انسداد القنوات النهرية بالأخشاب. وتعدّ آلية ذلك واضحة وبسيطة؛ إذ تؤدي حرائق الغابات إلى مساحات شاسعة من الأخشاب المتموتة. وخلال فصل الشتاء، يؤدي الثلج الغزير إلى انهيارات ثلجية تدفع آلاف الأشجار المحروقة إلى قيعان وديان الأنهار، حيث تدخل المياه.

وعندما تمتد هذه الأخشاب عبر النهر من الضفة إلى الضفة، لا يعود بإمكان النهر أن يتدفق. هذا التشكّل هو الذي استحوذ على التصوّر العام منذ فترة طويلة، فقد أصبح مصطلح “أخشاب الأشجار العالقة في مجرى النهر” يعني الحالة التي تستحيل فيها الحركة المادية أو غير المادية.

وبصفتها جزءاً من النظام الطبيعي لتجديد الغابات، تمنح هذه الأخشاب العالقة فوائد كبيرة للمناطق البرية. ولكن يمكنها أيضاً أن تسبب مشاكل كبيرة عندما تتداخل مع القوارب أو الجسور أو البنى الصناعية الأخرى. ولذلك هناك حاجة ماسة للتوصل إلى فهم أفضل للطريقة التي تتصرّف بها.

وهنا يأتي دور ناكول ديشباندي وبنجامين كروسبي من جامعة ولاية أيداهو في بوكاتيلو، فقد قالا إنه لم يدرس أحد الطريقة التي تتطور بها هذه الأخشاب العالقة مع مرور الوقت، ويقولان: “لم تقم أي قياسات ميدانية في الطبيعة بتقييم درجة التراكم في الأخشاب العالقة ضمن النهر التي تتكون بشكل طبيعي”.

ويقوم هذان الباحثان بتغيير ذلك من خلال دراسة تطور الأخشاب العالقة ضمن النهر لأول مرة. وكان مجال بحثهم عبارة عن تجمّع للأخشاب العالقة في بيغ كريك، وهو أحد روافد نهر السلمون في أيداهو الوسطى. وتوصلا إلى استنتاج مثير للدهشة، وهو أن هذه الأخشاب التي تبدو عالقة بثبات لا تكون عالقة على الإطلاق. بل تنتقل على طول النهر، وإن كان ذلك بطيئاً، مدفوعةً بانحسار المياه وجريانها مع ارتفاع مستوى النهر وهبوطه. لكن دعون نتحدث أولاً عن بعض المعلومات الأساسية. تعدّ الأخشاب العالقة شائعة نسبياً في أحواض مياه نهر السلمون، التي تتدفق عبر 14 ألف ميل مربع من أراضي الغابات الصنوبرية في أيداهو الوسطى. وتقدّر مصلحة الغابات الأميركية وجود نحو 20 تجمّعاً للأخشاب العالقة في مختلف الروافد التي تصبّ في النهر.

اختار ديشباندي وكروسبي أحد هذه التجمّعات العالقة في بيغ كريك، وهو رافد جبلي شديد الانحدار على نهر ميدل فورك سلمون. وفي عام 2014، وبعد عدة مواسم من حرائق الغابات والشتاء الغزير، أدت سلسلة من الانهيارات الثلجية إلى تجمّع عدد كبير من أخشاب الأشجار في بيغ كريك.

وخلال العام التالي، انهارت أخشاب عالقة أخرى من أعلى النهر وتراكمت فوق التجمّع الخشبي. ويحتوي هذا التجمّع في الوقت الحالي على أكثر من ألف قطعة من أخشاب الأشجار، ويمتد على عرض النهر لمسافة أكثر من 70 متراً (230 قدماً). وهذه الأخشاب تظهر للمشاهد العادي كأنها عالقة بشكل راسخ.

قام كل من ديشباندي وكروسبي بإعداد كاميرات لتصوير الأخشاب العالقة خلال شهري مايو ويونيو من عام 2016. واستخدما الصور لتتبع موقع وتوجه كل من 132 قطعة خشبية ولإنشاء مقاطع فيديو لهذه الظاهرة على فترات مختلفة. كما سجّلا معدل تدفق النهر وعمقه.

وبالطبع يقتضي ذلك الحركة أيضاً. وفي الواقع، تؤكد مقاطع الفيديو الزمنية التي صوّرها ديشباندي وكروسبي ذلك بوضوح. ويقولان: “على الرغم من اسمها، فقد وجدنا أن الأخشاب العالقة ليست عالقة”.
وتعدّ النتائج التي توصّلا إليها مثيرة للاهتما؛. إذ كانت ملاحظتهما الأولى هي أن أخشاب الأشجار تشكّل نوعا من النمط المتعرج. يعود ذلك جزئياً إلى أن العديد من هذه الأخشاب أطول من عرض القناة، ولذلك يمكن أن يطفو أحد طرفي القطعة ويتحرك مع تيار المياه بينما يَعْلق الطرف الآخر على الضفة.

وبدلاً من ذلك، فإن الأخشاب العالقة ترتفع وتنخفض مع مستوى الماء، الذي يتغير مع معدل ذوبان الجليد. ويقول الباحثان: “مع ارتفاع منسوب المياه وانخفاض احتكاك الأخشاب مع قاع النهر وضفته، فإنها تنتقل مجتمعة مع اتجاه مجرى النهر. ومع انخفاض جريان المياه وإعادة ارتباط الأخشاب مع قاع النهر وضفته، فإن الأخشاب تستقر بشكل يتناسب مع مجاوراتها”.

وهذا يؤدي إلى دورة من الاشتباك والحركة الحرة والاشتباك مرة أخرى، وهي دورة تعتمد على جريان النهر.

يعدّ هذا العمل مثيراً للاهتمام ويسلّط بعض الضوء على ظاهرة كان يُساء فهمها بشكل مدهش، كما يكشف أيضاً كيفية التشابه بين عمليات الاشتباك والانسداد والانجرار وسلوك المواد الفوضوية الأخرى، وهو علم يُعرف بعلم الجريان الحبيبي.

قد يساعد ذلك المهندسين البحريين على تحسين فهمهم لكيفية تدبير أخشاب الأشجار العالقة وتخفيف الآثار الضارة التي قد تحدثها على البنى الصناعية. ويقول ديشباندي وكروسبي: “قد يؤدي ذلك إلى تحسين إنشاء بنى للاحتفاظ بالأخشاب من أجل الترميم وتصميم دعامات الجسور وإدارة ممرات الأنهار والتخفيف من مخاطر الفيضانات”.

ولكن هل يمكن لهذا الاكتشاف أن يغير الاستخدام الشائع لمصطلح “أخشاب الأشجار العالقة”؟ إنه سؤال آخر تماماً.

المصدر: arxiv.org/abs/1911.01518 :
Logjams are not jammed: measurements of log motions in Big Creek, Idaho


شارك