هذا القسم يأتيكم بالتعاون مع:


ستسمح هذه التقنية المُستوحاة من التقنيات الخاصة بالتشفير الكمومي بتكريس قواعد البيانات الطبية الكبيرة في اكتشاف روابط سببية جديدة.

Article image
مصدر الصورة: جوشوا كولمان عبر أنسبلاش

حتى نستطيع زيادة فهمنا للأحداث التي تجري في العالم، نحتاج إلى الإحاطة بمفهوم السبب والنتيجة: لماذا تحدث هذه الظواهر؟ ما عواقب قيامنا بفعل ما؟ يدلّنا وجود الارتباطات بين ظاهرتين على ترافقها مع بعضها البعض، ولكن هذا لا يعني كونَ أحدها سبباً للآخر، فهذا النوع من الارتباطات حصريّ للروابط السببية؛ فهي التي تخبرك عن سبب وجود هذا الحدث أو آلية تطوّره، أي أنّ ترافق الظواهر مع بعضها البعض لا يعني أنّ أحدها سبباً للآخر، فالعلاقة بينهما قد لا تكون سببية، وهذا معنى شعار “الارتباط لا يقتضي السببية”.

ويُمثّل هذا المفهوم مشكلة كبيرة في الطب؛ وذلك لكون معظم الأمراض ناجمة عن عدد كبير من المتغيرات المتآزرة. ويعتمد تشخيص الأمراض على معرفة هذه الأحداث التي كانت سبباً لظهور أعراض كل مرض؛ حيث يبدأ علاج الأمراض عبر معرفة تأثيرات الأدوية المختلفة أو أنماط الحياة المتعددة. ويتم فك تشابك هذه الأحداث المعقّدة في العادة من خلال دراسات رصديّة دقيقة أو تجارب عشوائية موجّهة.

وتُشكّل نتائج هذه الدراسات ثروةً هائلةً من البيانات الطبية، لكنها تنتشر عبر مجموعات بيانات مختلفة، مما يترك العديد من الأسئلة الطبيّة دون إجابة. فعلى سبيل المثال، إذا أظهرت إحدى مجموعات البيانات وجودَ علاقةٍ بين السمنة وأمراض القلب، وبيّنت دراسةٌ أخرى وجود علاقة بين انخفاض فيتامين (د) والسمنة، فما العلاقة بين انخفاض فيتامين (د) وأمراض القلب؟ سيتطلب إيجاد هذه العلاقة تجربة سريرية أخرى.

كيف يمكننا استغلال هذه المعلومات الجزئية بشكل أفضل؟ تستطيع أجهزة الكمبيوتر اكتشاف الأنماط المُختلفة بسهولة، ولكن كما قلنا: يُعتبر الارتباط بين هذه الأنماط في الطب ارتباطاً عادياً، وليس سببياً. وفي السنوات القليلة الماضية، بدأ علماء الكمبيوتر ببرمجة بعض الخوارزميات القادرة على تحديد العلاقات السببية داخل مجموعة بيانات واحدة. وهنا تكمن المُشكلة، حيث يُعتبر البحث في كلّ مجموعةِ بياناتِ بشكل فرديّ أمراً صعباً للغاية، فهو يشبه البحث في عدد كبير من الأقفال واحداً تلوَ الآخر. أي أننا نحتاج إلى إيجاد طريقة تمكننا من البحث في جميع المجموعات معاً.

وهنا توصّل الباحثان أنيش دهير وسياران لي من شركة بابيلون هيلث -وهي شركة متخصصة في توفير الرعاية الصحية الرقمية في المملكة المتحدة- إلى تقنيةٍ لإيجاد العلاقات السببية عبر مجموعات البيانات المختلفة. مما يفتح المجال لاستخدام نوعٍ جديدٍ من قواعد البيانات الطبية الكبيرة في البحث عن الأسباب والنتائج، التي لم نستطع استخدامها من قبل، مما يؤدي إلى زيادة احتمال اكتشافنا لروابط سببية جديدة.

وتقدم بابيلون هيلث تطبيقاً يعتمد على روبوت خاص بالدردشة، يطلب منك سردَ الأعراض التي لاحظتَها، وبعدها يقوم بإعطائك تشخيصاً مبدئياً لشكواك الرئيسية ونصائحَ حول العلاج. ويهدف هذا الروبوت إلى تصفية الأشخاص الذين يمتلكون أعراضاً لا تحتاج إلى زيارة الطبيب. ومن حيث المبدأ، تقوم هذه الخدمة بتوفير وقت المرضى والأطباء على حد سواء، مما يُقلل من ضغط الأطباء ويُتيح لهم المزيد من الوقت لفحص وعلاج المرضى الذين يحتاجون لذلك بالفعل.

وقد تعرّض هذا التطبيق إلى العديد من الانتقادات؛ حيث حذّر الأطباء من إهمال التطبيق لبعض الأعراض التي قد تدلّ على مرض خطير. ولم يكن هذا الروبوت الوحيد، حيث تُقدّم العديد من الشركات الأخرى كشركتي إيه دي إيه Ada ويور إم دي Your .MD خدمةً مشابهةً للتشخيص عبر روبوت الدردشة. ولكن توجّهت انتقادات الأطباء تجاه شركة بابيلون هيلث بالتحديد، وذلك بسبب مزاعمها المبالغ فيها على قدرة روبوتها في التشخيص؛ ففي عام 2018، أعلنت الشركة أن روبوتها المُعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرٌ على تشخيص الحالات الطبية بشكل أفضل من الطبيب البشري. وقد تم نفي هذه المزاعم عبر دراسة أجرتها ذا لانسيت بعد بضعة أشهر؛ حيث أثبتت عدم صحّة تلك الأقوال، كما أثبتت أن أداء هذه الروبوتات “قد يكون أسوأ بكثير من أداء الطبيب البشري“.

وبغض النظر عن كل ما سبق، فإنّ عملَ دهير ولي الجديد في تطوير مفهوم العلاقات السببية يستحق أن يؤخذ على محمل الجد، حيث تمت مراجعته من قِبل الأطباء الآخرين، وسيقومون بتقديمه في مؤتمر “جمعية النهوض بالذكاء الاصطناعي” المرموق في نيويورك هذا الأسبوع. ومن حيث المبدأ، يمكن لهذه التقنية أن تطوّر الخدمة التي تقدمها بابيلون هيلث.

وستؤدي القدرة على تحديد العلاقات السببية في البيانات الطبية إلى تحسين الذكاء الاصطناعي التشخيصي وراء روبوتات الدردشة. ويقول سياران لي، الذي يعمل أيضاً على تطوير التعلم الآلي والحوسبة الكمومية في جامعة لندن، إن “إعطاء الأسباب والتبريرات وراء التشخيصات التي وضعها الروبوت عبر الإشارة إلى السبب والنتيجة الأساسية -بدلاً من الارتباطات الخفية- سيمنح مستخدمينا مزيداً من الثقة في التطبيق؛ حيث يُعتبر مجال الرعاية الصحية مجالاً عالي الخطورة، وبسبب هذا الأمر، لا نُريد إخفاء خطوات العملية التي قام بها الذكاء الاصطناعي في محاولته لوضع التشخيص الأولي”.

وسرعان ما أدرك الباحثان أنه سيتعين عليهما البدء في برمجة روبوت الدردشة من الصفر. يقول لي: “عندما تعمّقنا في الأمر، لاحظنا عدم وجود أيّ حلٍ سابقٍ لهذه المشكلة”. ويكمن التحدي في دمج مجموعات بيانات متعددة تشترك في بعض العناصر الشائعة، ومن ثمّ استخراج أكبر قدر ممكن من المعلومات حول السبب والنتيجة من البيانات المدمجة.

ولا تستخدم هذه الطريقة خوارزمية التعلم الآلي، بل تُعتبر مستوحاةً من التقنيات الخاصة بالتشفير الكمومي؛ حيث يتمّ التشفير الكمومي باستخدام صيغة رياضية خاصة لتشفير المعلومات لكيلا يتمكن أحد من التنصت على المحادثات المُختلفة. ويتعامل كل من دهير ولي مع مجموعات البيانات على أنها محادثات، وأما هذه المتغيرات والعناصر التي تؤثر على مجموعات البيانات بطريقة سببية فتُعامل كالتنصّت الذي قد يؤثر على هذه المحادثات. وباستخدام رياضيات التشفير الكموميّ، تستطيع هذه الخوارزمية تحديد ما إذا كانت هذه الآثار موجودة أم لا، ومن هذا المُنطلق، يمكنها معرفة ما إذا كانت هذه العلاقة سببية أم لا.

وقام الباحثان باختبار النظام على بعض مجموعات البيانات التي نمتلك معلومات عن صحّة روابطها السببية بالفعل، مثل مجموعتين تتناولان العلاقة بين حجم أورام الثدي وملمسها؛ حيث وجد نظام الذكاء الاصطناعي عدمَ وجود علاقة سببية بين حجم أورام الثدي وملمسها، ولكنهما عاملان أساسيان في تحديد خباثة هذا الورم، ويُعتبر هذا الاكتشاف صحيحاً بالفعل.

ويدّعي الباحثان قدرة هذه الخوارزمية على تحديد العلاقة السببية بين المتغيّرات بنفس كفاءة التجارب السريرية، وذلك في حال توافر البيانات الأولية؛ أي أنّ النظام سيتمكن من إيجاد الروابط السببية عبر استخدام البيانات الموجودة بالفعل، وذلك عوضاً عن القيام بتجربة سريرية عشوائية موجّهة جديدة. ويعترف سياران لي أن هذه الخوارزمية ستحتاج إلى دليل قاطع حتى يتمكّن من إقناع العالم بها، ويأمل أن تُستخدم هذه الخوارزمية في بداياتها لمؤازرة التجارب السريرية على الأقل؛ وذلك عبر تكريسها في البحث عن الروابط السببية المحتملة للدراسة وتسليط الضوء عليها. ومع ذلك، يوضّح لي أن الهيئات الرسمية مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تُعطب الموافقة على تصنيع العقاقير الجديدة على أساس التجارب التي تظهر الارتباط فقط، وإن لم يكن هذا الارتباط سببياً. ويوضح قائلاً: “برأيي، يُعتبر أسلوب التجارب العشوائية الموجّهة المُتّبع في دراسة هذه العقاقير الجديدة لإيجاد الارتباطات السببية أقل إقناعاً من هذه الخوارزميات”.