Article image




من إيدج رانك لمحاربة الأخبار الزائفة، تطورت خوارزميات فيسبوك بشكلٍ كبير لتشمل تقنياتٍ متقدمة في الذكاء الاصطناعيّ والتعلم الآلي.

2020-03-18 10:20:36

16 مارس 2020

أصبح موقع فيسبوك جزءاً من مُسلّمات العصر التقنيّ الحديث؛ فهو أكبر شبكة تواصل اجتماعي على الكوكب بإجمالي زوار يبلغ 1.6 مليار مستخدم نشط حسب إحصائيات موقع ستاتيستا بإجمالي قدره 2.45 مليار مستخدم، ليتضمن حوالي 60% من مستخدمي الإنترنت حول العالم، فضلاً عن خدماته الأخرى واسعة الانتشار مثل تطبيق واتساب للمراسلة وتطبيق إنستقرام لمشاركة الصور والفيديوهات، بالرّغم من التطور الكبير الذي حدث على فيسبوك منذ إطلاقه سنة 2004 وحتى اليوم. 

وبالرّغم من الخصائص المتنوعة التي أصبحت تتوافر ضمنه، إلا أن ميزةً واحدة في فيسبوك لا تزال محوريةً أكثر من أي شيء آخر منذ إطلاق الشبكة حتى اليوم، وهو: ملخص الأخبار، المعروف باسم “نيوز فيد News Feed“، أي الصفحة الرئيسية التي تظهر لنا عند الدخول إلى فيسبوك، والتي تتضمن أهم المنشورات التي قام الأصدقاء بمشاركتها أو التفاعل معها أو المنشورات الأخرى من الصفحات التي نقوم بمتابعتها. يبلغ المعدل الوسطي للوقت الذي نمضيه يومياً على فيسبوك حوالي 50 دقيقة، من ضمنها ننفق حوالي 40% من الوقت فقط على تصفح ملخص الأخبار كونه يمثل المكان الذي نستطيع منه أخذ أفضل فكرة عن الأحداث التي جرت وعما يقوم به أصدقاؤنا، إلا أننا غالباً ما تعرّضنا لذلك الموقف الغريب: مع مرور الوقت نكتشف أن هنالك صديق ما أو صفحة ما لم تعد تظهر على نيوز فيد، أو نلاحظ ظهور صديقٍ ما أو صفحةٍ ما بمعدلٍ مرتفعٍ جداً على صفحة نيوز فيد. في نفس الوقت، نجد أيضاً أن ترتيب المنشورات والتفاعلات التي تظهر على صفحة نيوز فيد قد تغيرت بشكلٍ كبيرٍ مع مرور الوقت، وأصبحت حالياً غير مرتبطة بالزمن، أي أنه من غير الضروريّ ظهور المنشورات الأحدث أعلى الصفحة. 

لماذا يحدث كل هذا من حولنا؟ وكيف يقوم فيسبوك بترتيب المنشورات والأخبار على صفحة نيوز فيد؟ لا أحد يمتلك جواباً دقيقاً على هذا الأمر؛ فتفاصيل خوارزميات فيسبوك وآلية عملها التفصيلية هي أسرار داخلية للشركة لا يتم الإفصاح عنها، وكل ما نعرفه هو نتيجة الإعلانات الرسمية التي قامت بها فيسبوك، والملاحظات والنصائح التي تبديها لصناع المحتوى وأصحاب الأعمال الراغبين في تأسيس صفحاتٍ فعالة. وبالرّغم من ذلك، يمكننا الحصول على صورةٍ إجمالية تساعدنا على فهم كيفية عرض المنشورات والقصص على صفحة نيوز فيد الخاصة بنا.

خوارزمية إيدج رانك: القصة الأكثر حداثة لا تعني أنها الأكثر أهمية
انطلق فيسبوك بشكلٍ رسميّ سنة 2004 بتصميمٍ بسيطٍ وخياراتٍ محدودة، وأتت القفزة الكبيرة لفيسبوك سنة 2006 عندما تم ابتكار ذلك المكان السحريّ الذي يعرض آخر ما قام به الأصدقاء على الموقع: ملخص الأخبار، أو نيوز فيد News Feed. أتبع هذا التحديث بابتكار خاصيةٍ أخرى وهي زر الإعجاب Like الذي تم إضافته سنة 2007، والذي أُتبع في نفس العام بالإعلان عن إمكانية إنشاء الصفحات التي تختلف عن الحسابات الشخصية، وهو الأمر الذي شكل أيضاً بداية دخول الإعلانات المدفوعة للشبكة. بعد تراكم هذه الخصائص وتزايد عدد المستخدمين والصفحات بشكلٍ كبير، لم تعد الطريقة التقليدية لعرض المشاركات والمنشورات على نيوز فيد فعالة: اعتمد فيسبوك في البداية على مبدأ بسيطٍ يقوم على الترتيب الزمنيّ للمنشورات على صفحة نيوز فيد، بحيث يظهر بأعلى صفحة نيوز فيد عند الولوج للموقع أحدثُ منشور تم نشره أو مشاركته من أحد الأصدقاء أو الصفحات. 

مثلت طريقة عرض المنشورات اعتماداً على زمن نشرها وسيلةً جيدة لفترةً قصيرة، فهي لم تأخذ بعين الاعتبار تزايد عدد المستخدمين وتزايد عدد الصفحات، وبالتالي الكم الكبير من الأحداث التي ستتطلب من المستخدم الواحد تصفحاً طويلاً عبر صفحة نيوز فيد ليتمكن من مشاهدة أو معرفة كل الأحداث الهامة بالنسبة له. هذه الأمور قادت للتفكير بطريقةٍ مغايرة: بدلاً من جعل المستخدم يستعرض كل شيء سيكون من الأفضل تخصيص صفحة نيوز فيد الخاصة به عبر آليةٍ تتيح عرض أهم ما يريد معرفته، وليس كل شيء يمكن أن يعرفه. لو افترضنا أن المستخدم العادي يمتلك حوالي 400 صديق على شبكة فيسبوك، فهل صداقته معهم جميعاً على نفس السوية؟ بالطبع لا، هنالك أشخاص مقربون وهنالك زملاء العمل وهنالك أصدقاء عابرون. نفس الأمر بالنسبة للصفحات، فهنالك الصفحات التي نتابعها بدافع الاهتمام الحقيقي، وهنالك صفحات نتابعها باهتمامٍ متوسط، وهنالك الصفحات التي نتابعها لكونها تتبع لأحد أصدقائنا. 

هنا أتى الدور على أول التحديثات الكبيرة التي حدثت لكيفية عرض المنشورات والتحديثات على صفحة نيوز فيد: خوارزمية إيدج رانك Edge Rank، التي ركزت على أخذ عوامل غير مرتبطة بالزمن من أجل تحديد كيفية ظهور المنشورات. بشكلٍ مُشابه لكيفية عمل محركات البحث في عرض الروابط وصفحات الويب، اعتمدت الخوارزمية على إسناد قيمةٍ للقصص ترتبها من ناحية الأهمية. من أجل حساب هذه القيمة، تم اعتبار كل نشاط يقوم به أحد الأصدقاء على أنه “حافة Edge”، فكتابة تعليق أو الإعجابات أو المشاركات كلها تمثل حواف تؤخذ بعين الاعتبار من أجل تحديد القصة الأكثر أهمية وعرضها أولاً على صفحة نيوز فيد. كل قصة ستحصل على قيمة نهاية هي قيمة إيدج رانك، ويتم ترتيب القصص (المنشورات) على صفحة نيوز فيد بدءاً من القصة التي تحصل على أعلى قيمة إيدج رانك. 

عرضت فيسبوك تفاصيل الخوارزمية ضمن مؤتمر المطورين التابع لها سنة 2010، ووضحت أن حساب قيمة إيدج رانك لكل قصة أو منشور يظهر على صفحة نيوز فيد يعتمد على ثلاثة عوامل أساسية: 

  1. درجة التقارب Affinity: والمقصد هنا تحديد مدى قرب الصلة بين المستخدم وقصةٍ معينة. لنفترض أن مستخدماً قام بتحديث حالته على فيسبوك، فإن هذه القصة ستحصل على قيمة إيدج رانك مرتفعة للظهور عند أخيه في حال كان يملك أيضاً حساباً على فيسبوك وكان هنالك تفاعل كبير بينهما. في حال قام صديق ما بتحديث حالته على فيسبوك ولم يكن هنالك تفاعل بينه وبين مستخدمٍ آخر، ستتنبأ الخوارزمية أن درجة التقارب بينهما منخفضة وبالتالي ستحصل قصته على تقييم إيدج رانك منخفض، وهذا ما سينعكس على ظهورها على صفحة نيوز فيد الخاصة به. 
  2. قيمة الحافة Edge Weight: تعتمد خوارزمية إيدج رانك على اعتبار أي نشاط على فيسبوك على أنه حافة Edge، وكل حافة (أي كل نشاط) له قيمة معينة، فكتابة التعليقات مثلاً تمتلك قيمة أكبر من الإعجابات، ولذلك فإن ظهور القصص التي تتضمن قيام أحد الأصدقاء بترك تعليقٍ على منشورٍ آخر ستمتلك احتمالية ظهور أعلى من تلك التي تتضمن صديقاً قام بالإعجاب على منشورٍ ما. 
  3. التضاؤل الزمني Time Decay: ببساطة، كلما كانت القصة قديمة أكثر كلما تضاءلت احتمالية ظهورها على صفحة نيوز فيد، ويتم ذلك عبر تحديد زمن القصة وضربه بمعاملٍ رياضيّ لحساب التضاؤل الزمني الخاص بها. 

اعتماداً على العوامل الثلاثة السابقة، يتم حساب قيمة إيدج رانك لكل قصة على أنه مجموع العوامل الثلاث السابقة: 

يمثل الرمز u درجة التقارب بين المستخدم الذي سيشاهد القصة وبين المستخدم الذي قام بإنشائها، ويمثل الرمز w لقيمة الحافة الخاصة بهذه القصة (تعليق، إعجاب، مشاركة… إلخ) وأخيراً يمثل الرمز d معامل التضاؤل الزمني، وعبر ضرب هذه العوامل ببعضها البعض ومن ثم جمعها، يمكن حساب قيمة إيدج رانك. 

ما بعد إيدج رانك: حان وقت التعلم الآلي
لم تُعمّر إيدج رانك طويلاً كوسيلةٍ وحيدة لتحديد كيفية ظهور القصص والمنشورات على صفحة نيوز فيد، فمع التزايد المستمر لعدد المستخدمين وانتشار الهواتف الذكية وإتاحتها طرقاً أسهل لاستخدام فيسبوك، أصبح من الصعب معرفة أبرز وأهم القصص التي يجب عرضها على صفحة نيوز فيد اعتماداً فقط على العوامل التي تأخذها خوارزمية إيدج رانك بعين الاعتبار. 

أدخلت فيسبوك تعديلاتٍ كثيرة على كيفية عرض القصص والمنشورات، وبدءاً من سنة 2011 تم إدخال تقنيات التعلم الآلي Machine Learning كآليةٍ إضافية تساهم في تحديد أهم القصص من أجل عرضها، وذلك جنباً إلى جنب مع خوارزمية إيدج رانك، وبحلول عام 2013، أصبح عدد العوامل التي تؤخذ بعين الاعتبار حوالي 100 عامل مختلف، تعمل جميعها من أجل هدفٍ واحد: تنبؤ وتوقع أبرز المنشورات والقصص التي تهم المستخدم وعرضها على صفحة نيوز فيد الخاصة به. 

حدثت تغيراتٌ كبيرة في فيسبوك نفسه على مرور السنوات؛ إذ تم إدخال العديد من الميزات الجديدة التي لم تتوافر مسبقاً، مثل خاصية “شاهد أولاً See First” التي تتيح للمستخدم وسم صفحةٍ ما على أنها عالية الأهمية بما يخبر فيسبوك أنه يريد مشاهدة القصص والتحديثات الصادرة منها قبل أي شيء آخر، كما تم إضافة خيار المتابعة Follow ليكون وسيلةً إضافية تُخبر فيسبوك بأن المستخدم ليس معجباً فقط بمحتوى الصفحة أو مضمونها أو حتى الأفراد أنفسهم، وإنما يريد متابعة التحديثات والقصص التي يقومون بإنشائها. أضاف فيسبوك خيار التفاعل Reactions في 2017 ليقدم آليةً جديدة في كيفية التعبير عن مشاعرنا تجاه منشورٍ ما: سابقاً كان الخيار محصوراً بترك إعجابٍ على منشور أو تعليق، ولكن ماذا لو كان المنشور يثير الحزن؟ ماذا لو كان يثير الغضب؟ ماذا لو كان يبعث على البهجة؟ لهذه الأسباب -ولجعل تجربة الاستخدام تأخذ منحى شخصي أكثر- تم إطلاق فكرة التفاعلات التي تتيح للمستخدم التعبير عن رأيه ومشاعره تجاه منشورٍ أو تعليق ليس فقط عبر الإعجاب، وإنما عبر تشكيلةٍ من التفاعلات المختلفة. 

كيف تقوم خوارزمية فيسبوك اليوم بعرض القصص على نيوز فيد؟
بعيداً عن الآثار السلبية غير المتوقعة التي تركتها التحديثات المتتالية على آلية عمل خوارزمية عرض القصص والمنشورات، شكل تحديث سنة 2018 نقلةً كبيرة في كيفية عمل خوارزمية فيسبوك، حيث ركز التحديث على جعل الخوارزمية تُفضل الارتباط النشط Active Engagement وتُعطي أولويةً كبيرة للقصص والارتباطات الفردية مع الأصدقاء وأفراد العائلة، خصوصاً تلك التي تتضمن نقاشاتٍ وتعليقاتٍ كثيرة وتفاعلاتٍ مُتنوعة. بالرّغم من اعتمادها على أكثر من 10000 عاملٍ مُختلف تتضمن تحليل تفضيلات المستخدم وشخصيته وميوله وما يقوم به على فيسبوك، إلا أنه يمكن تبسيطها عبر أربعة أركانٍ بسيطة تتفاعل مع بعضها البعض من أجل تحديد كيفية تقييم القصص والمنشورات واختيار أهمها لعرضها على المستخدم، وهي: 

  1. المخزون Inventory: يُمثل هذا العامل العدد الكليّ لكل القصص التي يمكن للمستخدم أن يشاهدها بما يتضمن المحتوى الإعلانيّ والدعائي إلى جانب القصص من الأصدقاء وأفراد العائلة والصفحات التي يتم متابعتها. الخطوة الأولى في آلية عمل خوارزمية فيسبوك هي تحديد المخزون دون أي ترتيب أو تصنيف؛ فقط نظرة إجمالية لما يُمكن أن يتم عرضه على المستخدم. 
  2. الإشارات Signals: بعد معرفة القصص والمنشورات المحتملة، تريد الخوارزمية الآن تحليلها واستخلاص معلوماتٍ مفيدة منها تساعد لاحقاً بعملية تقييمها. هذه المعلومات تُدعى إشارات من وجهة نظر الخوارزمية، وهي تشمل أموراً مثل عدد الإعجابات والتفاعلات والتعليقات على منشورٍ ما، ونوع المنشور نفسه سواء كان صورة أو محتوى مكتوب أو فيديو، وصاحب المنشور نفسه وزمن نشره وحتى أمور تقنية أخرى مثل سرعة الاتصال بالإنترنت ونوعية الجهاز المستخدم وأبرز 50 تفاعل على المنشور وغيرها. كل إشارة من هذه الإشارات تمتلك قيمة، وبعض الإشارات لها قيمة أعلى من غيرها، فالمنشور الذي يتضمن فيديو سيمتلك قيمة مرتفعة أكثر من المنشور المعتمد على نصٍ مكتوبٍ فقط، وترك تعليقٍ على منشور له قيمة أكبر من وضع إعجاب أو تفاعل، وحتى وضع تفاعل على المنشور (أضحكني، أحزنني.. إلخ) أهم من مجرّد وضع إعجاب. 
  3. التوقع Prediction: بعد تحديد القصص والمنشورات الممكنة وتحليل الإشارات الخاصة بها ومعرفة قيم هذه الإشارات، ستبدأ الخوارزمية باتخاذٍ القرارات: تريد الخوارزمية -اعتماداً على المعلومات المتاحة- توقع ما قد يهتم المستخدم أن يشاهده وتوقع ما قد يكون من المفيد إخفاؤه وما قد يكون ذا أرجحيةٍ كبيرة لأنْ يكون محتوى ذا نسبة تفاعل عالية أو منخفضة من قِبل المستخدم. من المفيد تسليط الضوء على دور طرق التعلم الآلي بهذا السياق، فخوارزمية فيسبوك تقوم بإعطاء بعض العوامل قيمةً مرتفعة، مثل تضمُّن المنشور لفيديو، ولكن إن كان تاريخ المستخدم ونشاطه السابق يظهر تفاعلاً أكبر مع المنشورات النصية من صفحاتٍ علمية محددة، ففي هذه الحالة ستكون هذه المنشورات أهمَّ بالنسبة لهذا المستخدم، أي أن تحليل تفضيلات المستخدم وميوله له أيضاً دور هام وبارز في كيفية توقع الخوارزمية للقصص والمنشورات التي تهمه أكثر من غيرها. 
  4. التقييم Scoring: عند هذه النقطة سيتوجب على الخوارزمية تقييم المنشورات والقصص عبر إعطائها علامة أو قيمة، حيث سيتم ترتيب القصص بدءاً من القصة التي حصلت على أعلى علامة، وأخيراً يتم إرسال هذه القصص بترتيبها ليتم عرضها في صفحة نيوز فيد. 

بهذه الصورة، يمكن فهم آلية عمل فيسبوك لترتيب القصص والمنشورات عبر خطواتٍ مُنطقية بسيطة، ولو أن الواقع معقدٌ أكثر من ذلك ويتضمن شبكةً ضخمة من تقنيات الذكاء الاصطناعيّ والتعلم الآلي. ما يحصل خلف الكواليس هو أن تقنيات التعلم الآلي تقوم على الدوام بتحسين قدرتها على التنبؤ بالمنشورات والقصص الأكثر أهمية بالنسبة للمستخدم، وذلك اعتماداً على المعلومات والبيانات التي يقوم المستخدم نفسه بتوليدها: إن تم عرض نوع معين من القصص لفترةٍ محددة دون أي تفاعل من المستخدم، سيمثل هذا الأمر دخلاً جديداً للخوارزمية يُسهم بفهم تفضيلاته بشكلٍ أكبر. إن قام المستخدم باستخدام زر إلغاء المتابعة أو إلغاء الإعجاب، فإن هذا يمثل أيضاً معلومة إضافية. 

أكثر من ذلك، توقيت إلغاء المتابعة وإلغاء الإعجاب يلعب أيضاً دوراً هاماً: ما كان يهمنا قبل عدة سنوات ليس نفسه ما يهمنا اليوم، فالدراسة والعمل والسيرة المهنية والخبرات الشخصية كلها أمور تغير من قناعاتنا وتسهم في تغيير الأمور التي نرغب في مشاهدتها على فيسبوك. بهذه الصورة ومع تقدمنا في العمر، ستأخذ خوارزمية فيسبوك هذه الأمور بعين الاعتبار لتبحث عن محتوى يتناسب أيضاً مع الفئة العمرية التي ننتمي لها وحتى الشريحة السكانية والدينية ومكان العمل والسكن والكثير. بشكلٍ ملخص، كل ما نقوم به على فيسبوك يمثل دخلاً جديداً للخوارزمية وتحسيناً إضافياً بقدرتها على معرفة القصص والمنشورات التي تهمنا، أو هذا ما يُفترض أن تكون عليه الأمور. 

كارثة تولد كارثة: هل أصبحت الصفحة الرئيسية (نيوز فيد) منصة أخبار زائفة؟
كان فيسبوك وخوارزمية عرضه للقصص عرضةً للانتقاد المتواصل عبر السنين، إلا أن سُمعة الشركة تلقت ضربةً موجعة بعد اكتشاف فضيحة التلاعب بالانتخابات الرئاسية الأميركية سنة 2016 عبر إعلاناتٍ موجهة استهدفت فئة محددة من المستخدمين، والتي تضمنت معلوماتٍ خاطئة ومزيفة أدت بالنتيجة لتغيير قناعاتهم وأفكارهم عن المرّشحين، كما أن الفضيحة نفسها ارتبطت بعملية تسريب كبيرة لبيانات المستخدمين، بما أسهم في تسهيل مهمة استهدافهم بالمعلومات المزورة. ظهر فيسبوك بعد هذه الفضيحة على أنه منصة جشعة لا تهتم بموثوقية المعلومات ولا دقتها في مقابل المردود المرتفع من الإعلانات، وهو ما دفع الشركة لإجراء تغييراتٍ جذرية في كيفية التعاطي مع المعلومات والمنشورات المختلفة التي يتم نشرها من أجل محاربة ظاهرة الأخبار المزيفة Fake News.

أعلنت فيسبوك عن تحديثٍ كبير قام مؤسس الشركة مارك زوكربرج بشرح تفاصيله عبر منشورٍ مطوّل سنة 2018، حيث أظهر كيف أن التحديث الجديد يهدف لجعل خوارزمية عرض القصص تُركز أكثر على المحتوى الهادف الذي يُشجع على النقاش البناء بين الأصدقاء وأفراد العائلة. على أرض الواقع، عنى هذا التحديث أن الشركة ستركز أكثر على القصص والمنشورات من العائلة والأصدقاء ليتم عرضها في نيوز فيد بشكلٍ أكبر من القصص والمنشورات من الصفحات المختلفة، أي انخفاضاً في عدد الأخبار التي ستظهر في نيوز فيد، وهو ما لاحظه مديرو الصفحات من انخفاضٍ كبير في قابلية الوصول التي تمتلكها منشوراتهم، أي عدد الأشخاص المحتملين الذين من الممكن أن يشاهدوا المنشور. 

نجح التحديث في تحقيق الغاية المنشودة منه: دفع المستخدمين للنقاش والتفاعل مع القصص والمنشورات الآتية من مصادر غير رسمية، أي من أشخاص آخرين، ولكن المشكلة التي ولدها هذا الأمر هي أن التحديث أدى لهيمنة شبه كاملة للقصص والمواضيع الخلافية والجدلية، كما أظهر تقريرٌ في الولايات المتحدة الأميركية كيفية تغير تفاعل المستخدمين بعد تحديث سنة 2018 وزيادة التفاعل والنقاشات بشكلٍ ملحوظ وبنسبة 50% مقياساً بالسنين السابقة، ولكن ضمن مواضيع وأمورٍ جدلية كقضايا الإجهاض وحقوق امتلاك السلاح والدين وغيرها. الأثر العكسي الأسوا لهذا التحديث أنه بدلاً من محاربة انتشار الأخبار الزائفة حدث النقيض: انتشارٌ أكبر للأخبار الزائفة؛ وذلك لأن المحتوى الجدليّ والخلافي غالباً ما انطلق من معلوماتٍ مُضللة من مصادر غير موثوقة: يستطيع أي شخص أن ينشر ما يشاء وأن يبدأ نقاشاً يخلق تفاعلاً كبيراً. 

بحسب التحديث الجديد، مثل هذا النشاط سيكون مفضلاً من وجهة نظر خوارزمية فيسبوك؛ فهو سيتضمن نقاشاتٍ وتعليقاتٍ كثيرة وتفاعلاتٍ ومشاركاتٍ على نطاقٍ واسع. ولكن هل سيضمن عدم نشر معلومةٍ زائفة، مع الأسف كلا.

علاوةً على ما سبق، أظهر التقرير زيادةً كبيرة في التفاعلات من نوع “أغضبني Angry”، وقارن بين كيفية التفاعل مع وكالات الأخبار ذات المعايير الصحفية المرتفعة -مثل وكالة رويترز- التي يكون التفاعل مع منشوراتها محصوراً بالإعجابات أو المشاركة، وبين المنصات الإخبارية الجدلية التي لا تولي اهتماماً كبيراً لدقة الخبر وموثوقيته بالمقارنة مع جدليته وقدرته على جذب القراء، حيث يحصل هذا النوع من الأخبار والقصص على كمية تعليقات ومشاركاتٍ كبيرة جداً مما يجعلها أكثر انتشاراً. 

تحديثات أخيرة: خوارزمية شفافة تُحارب المعلومات الزائفة
استجابت إدارة فيسبوك بشكلٍ سريع لموضوع الأخبار الزائفة، كما أنها أرادت استعادة ثقة المستخدمين بعد الفضائح المتعلقة بتسريب البيانات؛ ولذلك تم الإعلان عن تحديثين كبيرين سنة 2019 للتصدي لهذه القضايا: الأول يوّفر للمستخدمين وسيلة تشرح لهم سبب مشاهدتهم لمنشورٍ محدد بما يرفع درجة الشفافية والغموض بكيفية ظهور وعرض القصص، والثاني يشرح جهود الشركة الجديدة في مجال مكافحة المعلومات المضللة والأخبار الزائفة عبر تعاونٍ وثيق مع خبراء وصحفيين وحتى مجموعات تقصي الحقائق تساعد بتطوير أدواتٍ آلية يمكنها تمييز المحتوى منخفض الوثوقية ذي المعلومات المضللة. 

لا تزال خوارزمية فيسبوك لعرض القصص والمنشورات قيد التطوير وتحصل على تحديثاتٍ متواصلة لتحسين أدائها. وبالنسبة لتحسين المستوى ومحاربة المعلومات الزائفة، فإن الخطوات المبذولة في هذا المجال لا تزال في بداياتها، وستحتاج فيسبوك -كشركة- لوقتٍ طويلٍ نسبياً قبل استعادة ثقة المستخدمين وتعزيز سمعتها التي اهتزت إثر فضائح الخصوصية والتلاعب بالبيانات.