Article image
مصدر الصورة: أندريه كويلو عبر صور جيتي ما الذي يحدث عندما تسمح إحدى المدن الكبرى لفيروس كورونا بالانتشار دون رادع؟



تعرض الكثير من الناس للمرض في مدينة ماناوس لدرجة أن الباحثين يقولون إن الفيروس لم يعُد يجد أشخاصاً لإصابتهم بالعدوى.

2020-09-28 10:05:22

27 سبتمبر 2020

ما الذي يحدث عندما تسمح إحدى المدن الكبرى لفيروس كورونا بالانتشار دون رادع؟

إذا استخلصنا الإجابة عن هذا السؤال من مدينة ماناوس البرازيلية، فالأمر يعني احتمال أن يتعرّض حوالي ثلثي السكان للإصابة بالعدوى، فضلاً عن وفاة شخص واحد من بين كل 500 شخص قبل انتهاء الجائحة.

خلال شهر مايو، ومع انتشار الفيروس بسرعة في مدينة ماناوس -التي تعدّ العاصمة الاستوائية لولاية الأمازون- وصفت تقارير رهيبة اكتظاظ المستشفيات والقبور المحفورة حديثاً؛ إذ تضاعف الطلب على التوابيت بمعدل أربع إلى خمس مرات عما كانت عليه الأرقام خلال العام السابق. ولكن منذ بلوغ الذروة قبل أربعة أشهر، شهدت حالات الإصابة بفيروس كورونا والوفيات في المدينة -التي يبلغ عدد سكانها 1.8 مليون نسمة- انخفاضاً سريعاً وغير مفهوم.

تقول الآن مجموعة من الباحثين في البرازيل والمملكة المتحدة إنهم يعرفون السبب وراء ذلك؛ حيث أصيب الكثير من الناس بالعدوى لدرجة أن الفيروس لم يعُد يجد أجساماً مضيفة له.

في تقرير تم نشره على خادم medRxiv، الذي يستضيف التقارير الأولية قبل نشرها في المجلات العلمية، قالت مجموعة تشرف عليها إستر سابينو، الباحثة في معهد الطب الاستوائي بجامعة ساو باولو، إنها أجرت فحوصات على عينات الدم المحفوظة في بنوك الدم للكشف عن الأجسام المضادة للفيروس، وقدّرت إصابة ما يتراوح بين 44 و66% من سكان مدينة ماناوس بالعدوى منذ أن اكتشفت المدينة أول حالة إصابة فيها في شهر مارس.

وقالت سابينو في مقابلة عبر الهاتف: “مما نعلمه، من المحتمل أن تكون هذه النسبة هي أعلى معدل انتشار في العالم. لقد انخفضت الوفيات بسرعة كبيرة، وما نقوله هو أن الأمر مرتبط بذلك”.

في الولايات المتحدة، أثار الرئيس دونالد ترامب السخرية بقوله إن الفيروس “سيختفي” من تلقاء نفسه. قد تكون تعليقاته إشارة إلى الحقيقة المتمثلة في أن تعرّض عدد كافٍ من الأشخاص للإصابة بالفيروس واكتسابهم لأجسام مضادة لمكافحته من شأنه أن يؤدي إلى بدء تراكم ما يسمى بالمناعة الجماعية بين السكان: مع اكتساب عدد أكبر من الناس للمناعة، يصبح من الصعب على الفيروس إصابة أشخاص جدد ومواصلة انتشاره.

يعتقد المؤلفون أن هذا هو بالضبط ما يحدث في مدينة ماناوس؛ حيث كتبوا أنه “على الرغم من أن التدخلات غير الدوائية، بالإضافة إلى التغييرات التي حدثت في سلوكيات السكان، قد تكون هي التي ساعدت في الحد من انتقال فيروس كورونا في مدينة ماناوس، فإن معدل الإصابة المرتفع بشكل استثنائي يشير إلى أن المناعة الجماعية لعبت دوراً مهماً في الحدّ من حجم الوباء”.

شهدت منطقة الأمازون أسوأ حالات التعرّض للفيروس؛ حيث تعرّض الناس للوفاة في منازلهم وأدت العدوى إلى إصابة مجموعات السكان الأصليين. ومع ذلك، كانت صحيفة واشنطن بوست توثّق تحولاً مفاجئاً في مدينة ماناوس بحلول منتصف أغسطس؛ فمن الذروة التي كان يتعرّض خلالها 79 شخصاً للوفاة في يوم واحد في شهر مايو، انخفض معدل الوفيات في المدينة إلى حالتين أو ثلاث حالات يومياً في شهر سبتمبر، وذلك وفقاً لإدارة الصحة فيها.

لا يزال من غير الواضح سبب انتشار الفيروس بهذه السرعة في مدينة ماناوس؛ حيث تُظهر بيانات التنقلات أن الناس بدؤوا يمارسون التباعد الاجتماعي في شهر مارس. تعتقد سابينو وزملاؤها أن تفشي المرض ربما تسارع بسبب كثافة المساكن وضعف إمدادات المياه والازدحام على القوارب، التي تستخدم كوسيلة نقل محلية.

وبحسب المؤلفين، فقد بلغ معدل الوفيات نتيجة الإصابة بالعدوى في مدينة ماناوس حوالي 0.28%، أي حالة وفاة واحدة من بين كل 350 شخصاً مصاباً بالفيروس. وبالنظر إلى أن الفيروس لم يؤد إلى إصابة الجميع في مدينة ماناوس، فإن معدل الوفيات بسبب فيروس كورونا على مستوى المدينة يتراوح بشكل عام بين 1 من كل 500 و1 من كل 800 شخص.

يقول فلوريان كرامر، اختصاصي المناعة في مستشفى ماونت سيناي في نيويورك، إنه كان من المتوقع أن تحقق بعض المناطق مستويات مناعة عالية بما يكفي لوقف التفشي المحلي للوباء، ولكن ينبغي اعتبار مثل هذه الحالات على أنها حالات فشل في مجال الصحة العامة، لا على أنها حالات نجاح.

وقال كرامر في تغريدة على تويتر: “لا تعدّ مناعة المجتمع المكتسبة عن طريق العدوى الطبيعية إحدى الإستراتيجيات، بل إنها علامة على فشل الحكومة في السيطرة على تفشي المرض، وقد أُزهقت الأرواح ثمناً لذلك”.

ينبغي على المدن الأخرى أن تكون حذرة بشأن استخلاص النتائج مما حدث في مدينة ماناوس، لأن سكانها من الشباب إلى حد ما، فضلاً عن وجود عوامل أخرى. يمثّل المواطنون الذين تزيد أعمارهم عن ستين عاماً 6% من السكان فقط، وذلك وفقاً لمعهد الجغرافيا والإحصاء في البرازيل. تبلغ هذه النسبة في مدينة نيويورك حوالي 16%، بينما تبلغ 20% في عموم الولايات المتحدة. يعدّ كبار السن معرّضين لخطر الوفاة عند إصابتهم بالفيروس بشكل أعلى بكثير من الأشخاص الأصغر سناً.

تشير الأرقام الواردة من البرازيل إلى عدد الأشخاص الذين يمكن أن يتعرّضوا للإصابة في مكان واحد مع انتشار الفيروس، وهو مفهوم يُعرف باسم معدل الإصابة. في حال إصابة ثلثي سكان الولايات المتحدة بالفيروس، فيمكنه بسهولة أن يودي بحياة أكثر من 500 ألف شخص أميركي، معظمهم من كبار السن. يتوافق ذلك مع التوقعات الأولية لسيناريوهات أسوأ الحالات ومع الأحداث الأخيرة على أرض الواقع. تجاوزت الولايات المتحدة الآن الرقم القياسي المفجع بعد أن ازداد عدد حالات الوفاة بسبب الفيروس إلى أكثر من 200 ألف. ولا يزال عشرات آلاف الأشخاص يتعرّضون للإصابة بالعدوى يومياً.

في البرازيل، كان فريق سابينو مناسباً لدراسة مسار الوباء؛ لأن المجموعة شاركت سابقاً في فحص عمليات التبرع بالدم للكشف عن العوامل المُمرضة المُعدية. ونظراً لأن بنوك الدم في البرازيل تحتفظ بعينات من الدم الذي يتم التبرع به، فقد تمكنوا من العودة إليها والبحث عن الأجسام المضادة لفيروس كورونا في عدة مراحل زمنية، وهي تقنية تُعرف باسم الأخذ التسلسلي للعينات.

تقول سابينو: “لا يملك سوى القليل جداً من الناس القدرةَ على أخذ العينات بشكل تسلسلي، ولكن حفظ العينات يعدّ إلزامياً في البرازيل؛ ولذلك تمكنّا من القيام بذلك”. خلال شهر يونيو، أظهر 40% من المتبرعين الجدد بالدم نتائج إيجابية للأجسام المضادة لفيروس كورونا، على الرغم من انخفاض النسبة منذ ذلك الحين بسبب ميل الأجسام المضادة إلى الزوال بمرور الوقت.

تقول غابرييلا جوميز، مصممة نماذج حسابية في جامعة ستراثكلايد، إن التقرير الجديد وجد أن عدد الأشخاص الذين لديهم الأجسام المضادة لفيروس كورونا في مدينة ماناوس هو ضعف العدد الذي اقترحته دراسة سابقة.، ويمكن أن يكون هناك نقاش مستمر بين علماء المناعة حول النتيجة الأكثر دقة. وتقول سابينو إن فريقها استخدم اختباراً مُحسَّناً للكشف عن الأجسام المضادة طورته شركة أبوت لابوراتوريز لاستخدامه في تحليلهم، والذي تقول إنه يتمتع بحساسية أكبر من الاختبار المستخدم في الدراسة السابقة، ويخطئ في عدد أقل من الحالات.

خلال الفترة القادمة، يمكن أن تساعد عاصمة الأمازون مسؤولي الصحة العامة على الوصول إلى فهم أفضل لمدة استمرار المناعة ضد فيروس كورونا وللفترة الزمنية التي تفصل بين حالات إعادة إصابة الناس بالفيروس. أظهرت فحوصات الدم بوضوح أن الكشف عن الأجسام المضادة لدى الأشخاص يصبح أكثر صعوبة بمرور الوقت؛ قد يعني ذلك أن مناعة الأفراد تجاه الفيروس ليست دائمة. كما كتب المؤلفون في تقريرهم الأولي: “قد تكون مدينة ماناوس بمة إنذار لتحديد مدة استمرار المناعة الجماعية وتواتر حدوث الإصابة بالعدوى مرة أخرى”.


شارك



المحرر الرئيسي في مجال الطب الحيوي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو.