Article image
نظام المجادلة من آي بي إم يشارك في مناظرة بجامعة كامبريدج العام الماضي.
مصدر الصورة: قسم الأبحاث في آي بي إم


هذا القسم يأتيكم بالتعاون مع:


سمحت تقنية تنقيب الحجج للآلات بدراسة مجموعات ضخمة من البيانات لمساعدتنا على اتخاذ القرارات، ويمكن أن تشكل دعماً قوياً للمساعدات الصوتية.

على الرغم من أن الحواسيب أخذتنا إلى القمر وعادت بنا إلى الأرض، فما زالت عاجزة عن مساعدتنا في أهم القرارات التي يجب أن نتخذها اليوم: هل يجب أن يُعزَل ترامب من منصبه؟ هل يجب أن تترك بريطانيا الاتحاد الأوروبي؟ هل يجب على أستراليا أن تتوقف عن تصدير الوقود الأحفوري؟ لا توجد إجابات سهلة ومباشرة عن هذه الأسئلة، مهما حاولنا أن نعتقد العكس.

نقوم باتخاذ القرارات بناء على السلبيات والإيجابيات. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا في هذا الأمر عن طريق التنقيب في كميات هائلة من البيانات التي لا تتوقف عن التراكم. ولكن حتى يكون الذكاء الاصطناعي مفيداً فعلاً، يجب أن يفكر بطريقة أقرب إلى البشر. يقول جاكي فيسر من مركز تكنولوجيا الجدل في جامعة داندي في المملكة المتحدة: “نحن نستخدم لغة مقنعة الطابع والكثير من أشكال المعلومات بشكل تصعب نمذجته بالذكاء الاصطناعي. لقد كان هذا أحد أهم الأهداف التي سعى إليها الكثيرون منذ بدأ التفكير في الذكاء الاصطناعي”.

يُعتبر تنقيب الحجج من أهم التقنيات الأساسية التي تساعد الآلات على التفكير، ويقوم على بناء برنامج لتحليل الوثائق المكتوبة واستخلاص الجمل المفتاحية التي تقدم دليلاً يدعم أو ينقض ادعاء معيناً، ويمكن بعد ذلك تجميعها على شكل حجة. يمكن لهذه الأدوات أن تساعدنا على اتخاذ قرارات أفضل، ويمكن أيضاً أن نستخدمها لكشف الأخبار المزيفة -عن طريق نقض الادعاءات الكاذبة ودعم الادعاءات المبنية على الحقائق- أو فلترة نتائج البحث على الإنترنت، بحيث نحصل على الأجزاء الهامة بدلاً من الوثيقة بأكملها.

ركزت مجموعات أخرى تعمل على تنقيب الحجج على أشكال معينة من النصوص، مثل الوثائق القانونية أو مقالات الطلاب، التي عادة ما تحوي بطبيعتها الكثيرَ من الحجج المنظمة. هذا أمر مفيد في حال رغبت في تلخيص كل الأدلة الموجودة في جميع الوثائق المتعلقة بقضية قانونية على سبيل المثال. ولكن الهدف الأسمى هو بناء نظام يستطيع أن يخوض في أكبر عدد ممكن من مصادر المعلومات ويبني حجة باستخدام جميع الأدلة التي يعثر عليها.

اتخذت آي بي إم مؤخراً خطوة كبيرة في هذا الاتجاه؛ فقد أمضى فريق مشروع المجادل في الشركة عدة سنوات في تطوير نظام يقوم بصياغة الحجج بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي. وفي العام الماضي، استعرضت آي بي إم تكنولوجيتها غير المكتملة في مناظرة مباشرة ضد بطل العالم البشري في المجادلة، بشكل يكافئ مواجهة واتسون في برنامج الألعاب الشهير جيوباردي. عادة ما تكون هذه الأحداث ممتعة، وتقدم إثباتاً على صحة الفكرة. والآن، بدأت آي بي إم بتحويل هذه اللعبة إلى أداة مفيدة حقاً.

تضمنت النسخة التي استخدمها مشروع المجادل في المناظرة المباشرة بذوراً لأحدث إصدار من النظام، مثل القدرة على البحث في مئات الملايين من المقالات الجديدة. ولكن في الأشهر التالية، قام الفريق بتطبيق تعديلات كبيرة على الشبكات العصبونية للنظام، محسناً من نوعية الأدلة التي يستطيع النظام كشفها. ومن أهم هذه الإضافات بيرت، وهي الشبكة العصبونية التي طورتها جوجل لمعالجة اللغات الطبيعية، والتي تستطيع الإجابة عن الاستعلامات. وسيُقدم العمل في مؤتمر جمعية تطوير الذكاء الاصطناعي في نيويورك هذا الشهر.

لتدريب هذا النموذج، استخدم الباحث نوم سلونيم وزملاؤه في آي بي إم 400 مليون وثيقة من قاعدة البيانات ليكسيس نيكسيس المختصة بالصحف والمقالات، وبذلك حصلوا على حوالي 10 مليار جملة باللغة الطبيعية، أي ما يعادل 50 ضعفاً من حجم ويكيبيديا. بعد ذلك، قاموا بتطبيق هذه المجموعة الهائلة من الأدلة على ادعاءات حول عدة مئات من المواضيع المختلفة، مثل “يجب أن يكون التبرع بالدم إلزامياً” و”يجب أن نتخلى عن الاحتفال بعيد الحب”.

بعد ذلك، طلبوا من العاملين على منصة فيجور إيت تصنيف الجمل وفقاً لكونها تقدم دليلاً يدعم أو ينقض الادعاء، ولُقمت هذه البيانات المصنفة إلى خوارزمية تعمل بالتعلم الموجه.

تستطيع الشبكة العصبونية الناتجة أن تتعامل مع استعلامات حول نطاق كبير من المواضيع المتنوعة، وتعطي جملاً أكثر علاقة بالموضوع من تلك التي كانت الأنظمة السابقة تقدمها، وتقوم بتصنيف الجمل التي تعثر عليها وفقاً لجودتها كأدلة وإثباتات. وعلى سبيل المثال، في حالة الادعاء “يجب أن يكون التبرع بالدم إلزامياً”، وجد النظام هذه الجملة “وجدت دراسة منشورة في المجلة الأميركية لعلم الأوبئة أن التبرع بالدم يخفف من احتمال الإصابة بالنوبة القلبية والسكتة بنسبة 88%”.

من أهم التحديات في هذا العمل التمييز بين الجمل التي تقدم إثباتات والجمل التي لا تقدمها، على الرغم من احتوائها على نفس المصطلحات. وقد وجد مشروع المجادل أيضاً هذه الجملة في حالة الادعاء المتعلق بالتبرع بالدم، ولكنه تمكن من تمييز حياديتها بالنسبة للادعاء المطروح: “تبين الإحصائيات من بنك ناكاسيرو للدم أن الطلاب يمثلون الشريحة الأكبر بين المتبرعين بالدم، ويقدمون حوالي 80% من إجمالي كميات الدم التي يقدمها المتبرعون حول العالم”.

يقول سلونيم إنه من غير الواضح حتى الآن ما الصفة التي تتمتع بها تلك الجمل وتستطيع الشبكة العصبونية تمييزها للقيام بعملية التصنيف. ولكن مشروع المجادل حقق دقة 95% عندما تم اختباره بالنسبة لأهم 50 جملة في 100 موضوع مختلف، وذلك وفقاً لسلونيم، الذي يضيف قائلاً: “هذه أرقام غير مسبوقة”؛ حيث لم تتمكن أنظمة أخرى من التكيف إلا مع بضع عشرات من المواضيع، كما أن هذا النظام يمثل تحسناً كبيراً بالمقارنة مع النظام الذي استعرضه سلونيم في المناظرة المباشرة.

تحدثت مع عدة باحثين آخرين، بما فيهم فيسر وأوانا كوكاراتشو التي تدرس برمجيات الجدل ومعالجة اللغات الطبيعية في جامعة لندن الإمبراطورية، وقد أبدوا إعجابهم بالنظام الجديد. وبالنسبة لكوكاراتشو، فإن التطبيقات العملية تمثل الناحية الأكثر إثارة. إن النظام المُدرب على الوثائق القانونية لا يستطيع التكيف مع الكثير من الأنواع المختلفة من الأدلة الموجودة على الإنترنت، ولكن فريق سلونيم بيّن أن مشروع المجادل يستطيع التعامل مع نطاق واسع من المصادر، “وهو ما يجعل منه عملاً رائعاً”، كما تقول كوكاراتشو.

سيقوم الفريق بنشر بياناته التدريبية حتى يستطيع الآخرون العمل معها. ويريد فيسر بناء أدوات للتنقيب عن الحجج مثل مشروع المجادل من أجل تقييم جودة الحجج، وذلك للبحث عن أشياء مثل التحيز الإدراكي. وعلى سبيل المثال، فقد استخدم مع زملائه الذكاء الاصطناعي من أجل تقييم جودة الحجج في مناظرات الانتخابات الأميركية في العام 2016.

تعمل آي بي إم نفسها على شيء مشابه؛ فعبر إضافة تسمى سبيتش باي كراود، يستطيع مشروع المجادل أن يستجر الحجج المؤيدة أو المعارضة لادعاء ما من عدد كبير من الأشخاص على شكل عملية تعهيد جماعي، ومن ثم يقوم آلياً بتقييم جودة الحجج المقدمة باستخدام شبكة عصبونية مدربة على مجموعة بيانات مؤلفة من حوالي 30,000 حجة تم تقييمها سابقاً من قبل البشر.

تخطط آي بي إم لتقديم مشروع المجادل كمنصة للحكومات والشركات. يقول كريستوفر سياتشا الناطق باسم الشركة: “ننظر إلى مستقبل مشروع المجادل على أنه خدمة ذكاء اصطناعي سحابية”. وفي إحدى الأمثلة على التطبيقات، جمعت الشركة 3,500 رأي من مواطنين في لوجانو بسويسرا حول وجوب استثمار المدينة في السيارات ذاتية التحكم، واستخدمت الذكاء الاصطناعي لاستخلاص وتقييم الحجج المؤيدة والمعارضة للمقترح، ويمكن أن تستخدم الحكومة المحلية النتائج في اتخاذها للقرارات السياسية.

ولكن بالنسبة لسلونيم، فإن أهم شيء هو تحسين التفاعل مع الذكاء الاصطناعي على المستوى الشخصي؛ حيث يلعب الجدل دوراً هاماً في كيفية التواصل بين البشر، فنحن نعدد الأسباب التي تدفعنا إلى اتخاذ خياراتنا، ونطلب النصائح، ونستخدم الإقناع والمداهنة. إن التحدث مع مساعد افتراضي يمكن أن يحاور على هذا المستوى يعطي شعوراً أقرب بكثير إلى الطبيعة. يقول سلونيم: “ما نقوم به يلامس شيئاً أساسياً في حياتنا، نحن نحاول ربط تكنولوجيات فهم اللغة مع بعضها البعض لمساعدة الناس على اتخاذ قرارات أفضل”.