اشترك

الاستمرار بالحساب الحالي

Preview
 
 

تاريخ النشرة : 05-04-2022
يكتبها هذا الأسبوع: عمرو عوض
أن تصبح سايبورغ لم يعد خيالاً علمياً على ما يبدو. اليوم، نرى العديد من الأشخاص ممن يعتمدون على قواقع مزروعة داخل آذانهم، ونقرأ يومياً عن تجارب ناجحة لتركيب عيون إلكترونية حيوية (Bionic Eyes)، وعن محاولات لا تتوقف لتطوير أطراف صناعية يتحكم فيها البشر بالعقل، أو بمساعدة الذكاء الاصطناعي فقط.

قد لا تجعلنا مثل هذه الأجهزة سايبورغ على النحو الذي صورته روايات الخيال العلمي، إلا أنها بالتأكيد تقربنا خطوة من المفهوم الذي وضعه العلماء لفكرة السايبورغ نفسها، والذي يعني كائناً حياً يتكون من مزيج من المكونات العضوية والميكانيكية. ولكن هل يجب أن نشعر بالقلق من المخاطر التي قد تمثلها هذه التكنولوجيا على مجتمعنا البشري؟ أم العكس، أن نجد فيها فرصة سانحة للتغلب على المعوقات والمشاكل المستعصية؟

السايبورغ: أفضل فرصة للبشرية
أحد الآراء المهمة في هذا الصدد هو رأي ملياردير التكنولوجيا إيلون ماسك، والذي أعلن صراحة تبنيه مبدأ "إذا لم تستطع التغلب عليهم، انضم إليهم". ومثل الكثير من أفكاره المثيرة للإعجاب والجدل في آن واحد، قال ماسك إن الناس يستخفون بقدرة الذكاء الاصطناعي معتقدين أنه سيشبه الإنسان الذكي، لكن الواقع أنه سيكون أكثر ذكاءً من أذكى إنسان. لذلك، فالحل في رأيه هو أن البشر يجب أن يندمجوا مع الذكاء الاصطناعي، معتبراً أن أفضل فرصة أمام البشرية للتنافس مع الذكاء الاصطناعي هو أن نتحول إلى سايبورغ.

يحاول ماسك بالفعل تنفيذ أفكاره على أرض الواقع، ولعل شركته المتخصصة في التكنولوجيا العصبية "نيورالينك" هي أبرز دليل على جدية مساعيه. لكن آراء ماسك وأخبار شركاته لا تحتاج إلى المزيد من التغطية الإعلامية. لذا، سأحكي هنا قصة اثنين من العلماء اللذين اختارا -في الواقع فرضت عليهما الظروف- التحول إلى فئران تجارب في هذا الحقل العلمي الجديد، ولم تنل تجاربهما ما يكفي من الشهرة.

لماذا أحول ابني إلى سايبورغ؟
قبل سبعة وعشرين عاماً، كانت فيفيان مينغ مجرد فتاة فاشلة تحاول الانتحار. تركت دراستها في الكلية لتعيش في سيارتها في أحد مواقف السيارات بولاية كاليفورنيا الأميركية. اليوم، وفي سن الخمسين، تحولت مينغ إلى شخص آخر تماماً. باتت عالمة الأعصاب النظرية -أو "العالمة المجنونة" كما تفضل أن تطلق على نفسها- واحدة من أكثر المتحدثين شهرة في العالم في مجال الذكاء الاصطناعي والذكاء المعزز. كما اختارتها هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عام 2017 ضمن قائمتها للنساء الأكثر تأثيراً في العالم.

في عام 2019، كتبت مينغ مقالة بعنوان "لماذا أحول ابني إلى سايبورغ؟"، قالت فيها إنه بعد تشخيص إصابة ابنها بالتوحد، وضعت الخبرة التي اكتسبتها من حياتها المهنية في العمل على بناء "نظام للتعرف على الوجوه والتعبيرات" لنظارة من إنتاج شركة جوجل مصممة لتفسير تعابير وجوه الآخرين في الوقت الفعلي، وهي مهارة يولد بها معظمنا لكنها تعتبر بمثابة "قوة خارقة" بالنسبة لشخص مصاب بالتوحد.

وفي مقالتها، تحدثت مينغ عن تأثير التكنولوجيا على إنسانية ابنها، قائلة: "لقد اخترت تحويل ابني إلى سايبورغ وتغيير مفهوم ما يعنيه أن يكون إنساناً. لكن هل القوى الخارقة المصممة لابني تجعله أكثر إنسانية أم أقل؟"

تشير العالمة هنا إلى نقطة مهمة للغاية، ألا وهي أنه "من الناحية النظرية، يمكن لأي شخص الحصول على تقنيات عصبية جديدة. ولكن على أرض الواقع، من المرجح أن يكون الأشخاص الأكثر قدرة على الاستفادة من هذه التقنيات هم أقل الناس حاجة إليها". بعبارة أخرى، من المرجح أن يكون أول الأشخاص الذين يمكنهم الحصول على أحدث تقنيات السايبورغ هم أولئك الذين يستطيعون تحمل تكاليفها، وبالتالي فإنها يمكن أن "تصبح أداة لترسيخ عدم المساواة". علاوة على ذلك، ثمة احتمالية كبيرة للغاية أن هؤلاء الناس الأكثر ثراء سيتمكنون قريباً من منح ذريتهم ميزة بيولوجية قبل أن يولدوا بفضل تقنية تحرير الجينات، ما يجعلنا نتخيل مستقبلاً تخلق فيه التكنولوجيا هوة أكثر اتساعاً بين الأغنياء والفقراء.

تموت كإنسان أم تعيش كسايبورغ؟
أمضى عالم الروبوتات الإنجليزي الأميركي بيتر سكوت-مورجان، عقوداً من البحث في الكيفية التي يمكن بها للذكاء الاصطناعي أن يغير حياتنا. لكن عالمه تغير كلياً عام 2017، عندما تم تشخيص إصابته بمرض العصبون الحركي (Motor Neuron Disease) -وهو نفس المرض المسبب للشلل الذي قتل العالم ستيفن هوكينغ- وقال له الأطباء إن أمامه عامين فقط للعيش.

بيد أن إرادة البقاء لدى مورجان كانت قوية، لذلك لجأ إلى التكنولوجيا التي أمضى حياته المهنية في البحث فيها. أصر العالم -البالغ من العمر 63 عاماً- على أن "الشلل هو مشكلة هندسية"، وحلها هو أن يصبح سايبورغ. وهو يصف الأمر قائلاً: "عندما أقول سايبورغ، فأنا لا أعني أي سايبورغ قديم، وإنما الكائن البشري {ذو التحكم الآلي} الأكثر تقدماً على الإطلاق خلال 13.8 مليار سنة".

يعتمد سكوت مورغان الآن على نسخة اصطناعية من صوته البيولوجي وقد تم مسح وجهه ضوئياً لإنتاج صورة رمزية متحركة ثلاثية الأبعاد، يرتديها على شاشة على صدره عندما يتحدث للجمهور. وبعد سلسلة من العمليات لإطالة حياته، بما في ذلك استئصال الحنجرة بالكامل، استخدم تقنيات مثل نموذج التعلم الآلي جي بي تي-2 (GPT-2) الذي طورته شركة أوبن إيه آي (OpenAI).

يخطط سكوت لدمج دماغه في نهاية المطاف مع الذكاء الاصطناعي، حتى يتمكن من التحدث باستخدام أفكاره بدلاً من تحريك عينيه. ويقول: "أنا موافق على التخلي عن بعض السيطرة للذكاء الاصطناعي لكي أبقى أنا. وعلى الرغم من أن هذا يمكن أن يغير معنى أن تكون إنساناً، إلا أن هناك تاريخ حافل للعلماء الذين أجروا تجارب على أنفسهم. لكن أن تموت كإنسان أم تعيش كسايبورغ؟ بالنسبة لي، هذا أمر لا يحتاج إلى تفكير".
بعض مقالاتنا عن العلوم والتكنولوجيا هذا الأسبوع:
Facebook
 
Twitter
 
Linkedin
 
Youtube
 
Instagram