X
Article image

Article image

الآلات الذكية حب

منافسة بجوائز بقيمة 10,000 دولار لاختبار الذكاء الاصطناعي بتحديات صُممت لاختبار إدراك الحيوانات، وذلك لمعرفة مدى امتلاك الآلات للحس السليم.

في إحدى قصص أيسوب (Aesop)، عثر غراب عطشان على كوز يحوي قليلاً من الماء لا يصل إليه منقاره. وبعد أن عجز عن قلب الكوز، أخذ الغراب يلقي بالحصى فيه واحدة تلو الأخرى حتى ارتفع مستوى الماء وتمكن الطير من الشرب. وبالنسبة لأيسوب، تثبت هذه القصة تفوق الذكاء على القوة.

والآن، وبعد مرور ألفيتين ونصف على هذه القصة، قد تتاح لنا رؤية ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على اجتياز اختبار أيسوب القديم للذكاء. ففي يونيو، ستقوم مجموعة من الباحثين بتدريب الخوارزميات على إتقان مجموعة من المهام التي كانت تستخدم من قبل لاختبار إدراك الحيوانات، وذلك في إطار أولمبياد أنيمال إيه آي (أولمبياد الذكاء الاصطناعي الحيواني) الذي يقدم جوائز بقيمة 10,000 دولار.

عادة ما يتضمن اختبار أداء الذكاء الاصطناعي إتقان مهمة واحدة، مثل التغلب على أستاذ في لعبة جو أو تعلم لعبة فيديو بدءاً من الصفر. وقد حقق الذكاء الاصطناعي نجاحاً كبيراً في هذه المجالات. ولكن عند استخدام نفس أنظمة الذكاء الاصطناعي في مهام مختلفة تماماً، تصاب بعجز كامل. ولهذا، سيتم تعريض نفس البرنامج في إطار أولمبياد أنيمال إيه آي إلى 100 مهمة غير مألوفة من قبل. غير أن الهدف ليس اختبار نوع محدد من الذكاء، بل قدرة برنامج واحد على التكيف ضمن بيئات مختلفة. وهو ما قد يمثل شكلاً محدوداً من الذكاء العام، وهو نوع من الحس السليم الذي سيحتاجه الذكاء الاصطناعي للنجاح في منازلنا وحياتنا اليومية. يدرك منظمو المسابقة أنه يستحيل على أي من أنظمة الذكاء الاصطناعي التكيف بشكل مثالي مع جميع الظروف أو تحقيق نتيجة مثالية، ولكنهم يأملون أن أفضل الأنظمة ستكون قادرة على التكيف إلى حد ما للتعامل مع المشاكل المختلفة التي ستواجهها.

تعود فكرة أولمبياد أنيمال إيه آي إلى فريق من الباحثين في مركز ليفرهولم لمستقبل الذكاء في كامبريدج ببريطانيا، إضافة إلى المعهد البحثي جود إيه آي في براغ.  وتعتبر هذه المسابقة جزءاً من مشروع أكبر في مركز ليفرهولم باسم أنواع الذكاء، حيث يقوم فريق متعدد الاختصاصات من باحثي الإدراك الحيواني وعلماء الحاسوب والفلاسفة بدراسة الاختلافات والتشابهات بين طرائق التفكير البشرية والحيوانية والآلية. وعلى الرغم من أن معظم المهام في المسابقة تُستخدم عادة كاختبارات ذكاء للحيوانات، فسوف تكون هناك مهام أخرى تقترب من النطاق البشري، حيث أن بعض التحديات تُستخدم لاختبار الإدراك لدى الرضع والأطفال. وتأمل المجموعة بالاعتماد على المزيد من المهام الإدراكية البشرية في الإصدارات اللاحقة والأكثر تعقيداً من هذا التحدي.

قامت مارتا هالينا مديرة المجموعة بالتعاون مع فريقها بتطوير بيئة افتراضية للتحديات باستخدام برنامج تطوير ألعاب الفيديو يونيتي، وذلك بدلاً من جعل الباحثين يبنون روبوتات حقيقية. يمثل النظام بيئة مخبرية لاختبار إدراك الحيوانات، وهو نظام متكامل يتضمن جوائز من الطعام وجدراناً وأجساماً قابلة للتحريك. وفي وقت لاحق من هذا الشهر، سيتم طرح هذا “الملعب” الافتراضي -كما تسميه هالينا- على أوساط الذكاء الاصطناعي، وسيُدعى الباحثون إلى تدريب برامجهم عليه.

ستعمل هذه البرامج بشكل آلي ضمن هذه البيئة، تماماً مثل بوتات الذكاء الاصطناعي التي طورتها أوبين إيه آي وديب مايند للتنافس في ألعاب مثل دوتا وستاركرافت. يرحب منظمو المسابقة بأية طريقة لبناء هذه البرامج ويتوقعون أن الكثيرين سيلجؤون إلى التعلم المعزز. ولكنهم أيضاً يأملون بأن الباحثين سيجرون تجارب على طرائق جديدة، خصوصاً ما يسمى “الطرائق الإدراكية” مثل التي يروج لها باحثون مثل توش تينينبوم في إم آي تي، والتي تتضمن محاكاة طريقة حل المشاكل والعمليات العقلية لدى البشر (أو الحيوانات في هذه الحالة) باستخدام نموذج حاسوبي.

في يونيو، سيقدم الباحثون برامجهم، وسيقوم فريق كامبريدج بتشغيلها لاجتياز الاختبارات المائة الموزعة على عشر فئات. يقول ماثيو كروسبي، وهو باحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في مركز ليفرهولم، أن الاختبارات سرية حالياً، وبالتالي لن يستطيع المشاركون تدريب برامجهم على مهارات محددة قبل بدء المسابقة.

ستكون الاختبارات متدرجة الصعوبة. فقد يكون بعضها بسيطاً وأساسياً مثل الطلب من برنامج الحصول على طعام من بيئة بدون عوائق. أما المهام الأكثر صعوبة فسوف تتطلب فهماً لحالة الجسم، أي معرفة وجوده حتى لو كان غير ظاهر، والقدرة على بناء نموذج عقلي للبيئة للتحرك ضمنها في الظلام.

وفقاً لكروسبي، فإن أصعب ناحية في المسابقة هي أنه يجب على البرامج أن تبلي حسناً في جميع الاختبارات، وسيحدد البرنامج الفائز بجودة الأداء الوسطية بدلاً من مجرد القدرة على إتقان المهام الصعبة. إن المسألة الخاضعة للاختبار هي القدرة على التكيف بسرعة في الأوضاع الجديدة، أو نقل المهارات من نوع محدد من النشاطات إلى نوع آخر، وهو مؤشر جيد على الذكاء العام. وبالنسبة لكروسبي، فإن هذه المرونة ضرورية حتى يصبح الذكاء الاصطناعي مفيداً في العالم الحقيقي.

ليس أولمبياد أنيمال إيه آي أول مشروع بحثي في مجال الذكاء الاصطناعي يستلهم أسلوبه من ذكاء الحيوانات. حيث تعمل راديكا ناجبال، بروفسورة علوم الحاسوب في هارفارد، على تحسين الذكاء الاصطناعي بدراسة الذكاء الناشئ في مجموعات السمك وأسراب الطيور. وفي السنة الماضية، قادت كيانا إحساني فريقاً من الباحثين في جامعة واشنطن ومعهد آلين للذكاء الاصطناعي في تدريب الشبكات العصبونية على التفكير بشكل مماثل للكلاب في مجموعة محدودة للغاية من المهام. وتقول أحساني أنها مهتمة بالمشاركة في أولمبياد أنيمال إيه آي وترى أن أهدافه متوافقة مع أهدافها.

على الرغم من أن هذه المشاريع حققت شيئاً من النجاح، فإن استنساخ الذكاء الحيواني بالعناصر الحاسوبية ما زال مهمة صعبة. وكما قال الباحث الرائد في الذكاء الاصطناعي جوديا بيرل، فإن المهارات الإدراكية لدى الحيوانات –مثل مهارة القطط على المناورة، وحاسة الشم القوية لدى الكلاب، والبصر الحاد لدى الأفاعي- تتفوق بفارق هائل على أي شيء يمكن تصميمه في المختبر. إن هذا الذكاء البيولوجي ناتج عن تطور يمتد على مدى مئات الملايين من السنوات.

يقول أنتوني زادور، بروفسور علم الأعصاب في مختبر كولد سبرينج هاربور: “أعتقد أن جعل الذكاء الاصطناعي بمستوى ذكاء الحيوانات يتطلب إدماج شيء من هذه البنية الداخلية في النظام. أما كيفية تحقيق ذلك فعلياً فهو السؤال الذي لم يتوصل أي شخص إلى الإجابة عنه حتى الآن”.

هناك عامل معقد آخر، وهو أن قياسات ذكاء الحيوانات نفسها ليست محل إجماع. ففي كتابه الذي يحمل العنوان “هل نحن أذكياء بما يكفي لنعرف مدى ذكاء الحيوانات؟ Are We Smart Enough to Know How Smart Animals Are?” يقول فرانس دي وال، مدير مركز ييركيس الوطني لأبحاث الرئيسيات في جامعة إيموري، أن الكثير من الاختبارات تقيّم القدرات العقلية لدى الحيوانات فقط بمدى تشابهها مع القدرات العقلية البشرية. ولهذا، بدلاً من اختبار حدود السلوكيات الطبيعية لدى الحيوانات، نقوم بتدريبها على مهام شبيهة بالمهام البشرية.

يعود هذا بشكل جزئي إلى أن التجارب العلمية المعترف بها في مجال إدراك الحيوانات يجب أن تتم في المختبر، بعيداً عن البيئة الطبيعية للحيوانات. كما أن أولمبياد أنيمال إيه آي يضيف أيضاً طبقة أخرى من التجريد عن العالم الحقيقي بمحاكاة هذه البيئات على الحاسوب، ما يلغي البيئة الطبيعية والتجربة الواقعية للحياة الحيوانية.

يعترف كروسبي بوجود حدود لاستخدام اختبارات الذكاء الحيواني لقياس قدرات الذكاء الاصطناعي، ولكنه يقول أن المشروع ينحو أكثر نحو دراسة الفرق بين أساليب التفكير بدلاً من برهان التكافؤ بين الإدراك الاصطناعي والبيولوجي. وبالفعل، يأمل كروسبي أن المشروع سيلقي الضوء حول كيفية عمل أدمغتنا نحن، إضافة إلى اختبار أفضل تكنولوجيات وأساليب الذكاء الاصطناعي. ويقول: “ما يهمنا فعلاً اكتشاف كيفية الانتقال بين أنواع مختلفة من الذكاء. وإذا تعلمنا ضمن هذه العملية أن هذا الانتقال فاشل، فهذا بحد ذاته نجاح بالنسبة لنا”.

المزيد من المقالات حول الآلات الذكية

  1. Article image
  2. Article image
  3. Article image
error: Content is protected !!