كيف يعمل الذكاء الاصطناعي الشخصي الذي تنوي آبل إطلاقه؟

6 دقيقة
كيف يعمل الذكاء الاصطناعي الشخصي الذي تنوي آبل إطلاقه؟
مصدر الصورة: صور أسوشييتد برس/ جيف تشيو
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

في مؤتمرها العالمي للمطورين، الذي عقدته مؤخراً، كشفت آبل الستار للمرة الأولى عن رؤيتها لعملية تعزيز مجموعة منتجاتها بالذكاء الاصطناعي. أطلقت الشركة اسم ذكاء آبل (Apple Intelligence) على الميزة الرئيسية التي ستجد طريقها إلى خطوط إنتاجها كافة تقريباً، وهي مجموعة من القدرات المستندة إلى الذكاء الاصطناعي التي تَعِد بتقديم خدمات ذكاء اصطناعي شخصية، وحماية البيانات المهمة في الوقت نفسه.

اقرأ أيضاً: معهد قطر لبحوث الحوسبة بمؤسسة قطر يتصدى للتهديدات الرقمية للغة العربية

الحوسبة السحابية الخاصة من آبل

تمثّل هذه الميزة أكبر قفزة لشركة آبل في مجال استخدام البيانات الخاصة لمساعدة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ المهام نيابة عنا. وحتى تثبت الشركة أنها قادرة على تحقيق هذا دون التضحية بالخصوصية، تقول إنها صممت طريقة جديدة للتعامل مع البيانات المهمة في السحابة الإلكترونية. وتقول آبل إن نظامها الذي يركّز على الخصوصية سيحاول أولاً تنفيذ مهام الذكاء الاصطناعي محلياً، أي على الجهاز نفسه. وعند تبادل أي بيانات مع الخدمات السحابية، ستخضع هذه البيانات للتشفير، ثم تُحذف لاحقاً. تقول الشركة أيضاً إن هذه العملية، التي تُطلق عليها اسم "الحوسبة السحابية الخاصة" (Private Cloud Compute)، سيُثبت صحتها باحثون مستقلون في مجال الأمن.

تمثّل هذه الكلمة الترويجية تبايناً ضمنياً مع ما تقدمه شركات مثل ألفابت (Alphabet) وأمازون وميتا (Meta)، التي تجمع كميات هائلة من البيانات الشخصية وتخزنها. تقول آبل إن أي بيانات شخصية تُمَرر إلى السحابة الإلكترونية لن تُستَخدم إلا في المهمة الراهنة التي ينفذها الذكاء الاصطناعي، ولن تحتفظ بها الشركة أو تكون قادرة على الوصول إليها، حتى لأغراض كشف الأخطاء البرمجية وعلاجها أو ضبط الجودة، بعد أن ينجز النموذج الطلب المقدم إليه. ببساطة، تقول آبل إن الناس يمكن أن يثقوا بها لتحليل بيانات مهمة للغاية -مثل الصور والرسائل الفورية والرسائل الإلكترونية التي تتضمن تفاصيل حميمية عن حياتنا- لتقديم خدمات مؤتمتة بناءً على ما تجده في هذه البيانات، دون تخزين أي بيانات على الإنترنت فعلياً، أو تعريض أي منها للخطر.

خدمات تراعي الخصوصية أولاً

عرضت الشركة بضعة أمثلة حول كيفية عمل هذه الخدمات الجديدة في الإصدارات المقبلة من نظام التشغيل آي أو إس (iOS). على سبيل المثال، يمكنك أن تطلب من سيري أن يبحث في الرسائل التي أرسلها إليك صديقك عن مدونة صوتية معينة ببساطة ويشغلها لك، بدلاً من أن تتصفح تلك الرسائل بنفسك للعثور عليها. تحدث النائب الأول لرئيس هندسة البرمجيات في آبل، كريغ فيديريغي، عن سيناريو آخر: حيث يستقبل رسالة إلكترونية حول تأجيل اجتماع مخصص للعمل، غير أن ابنته ستشارك في مسرحية في تلك الليلة. يستطيع هاتفه الآن أن يعثر على ملف بي دي إف (PDF) يتضمن معلومات حول المسرحية، ويتنبأ بحركة المرور المحلية، ويعلمه إن كان سيستطيع الوصول إلى المسرحية في الوقت المناسب. ستتجاوز هذه القدرات حدود تطبيقات آبل، بحيث تسمح للمطورين بالاستفادة من الذكاء الاصطناعي في آبل أيضاً.

وبما أن أرباح الشركة من المكونات المادية والخدمات تفوق أرباحها من الإعلانات، فليس لدى آبل ما لدى بعض الشركات الأخرى من أسباب أدعى تدفعها إلى جمع المعلومات الشخصية على الإنترنت، ما يُتيح لها منح آيفون مكانة تجعله الجهاز الأكثر حماية للخصوصية. وعلى الرغم من هذا، فقد وجدت آبل نفسها في السابق في مرمى المدافعين عن الخصوصية. حيث تسببت ثغرات أمنية بتسريب صور فاضحة من خدمة آي كلاود (iCloud) في 2014. وفي 2019، تبين أنه ثمة متعاقدون ينصتون إلى مقاطع حميمية سجلها المساعد الرقمي سيري لأغراض مراقبة الجودة. وما زال الجدل محتدماً حول أسلوب آبل في التعاطي مع طلبات وكالات فرض القانون المتعلقة بالبيانات.

تناقض صارخ

وفقاً لآبل، فإن خط الدفاع الأول في وجه انتهاكات الخصوصية هو تفادي استخدام الحوسبة السحابية في تنفيذ مهام الذكاء الاصطناعي كلما أمكن ذلك. يقول فيديريغي: "تمثّل المعالجة المحلية على الجهاز حجر الزاوية في الأنظمة الذكية الشخصية"، ويعني بهذا أن الكثير من نماذج الذكاء الاصطناعي ستعمل على أجهزة آيفون وماك بدلاً من تشغيلها في السحابة الإلكترونية. ويُضيف قائلاً: "تدرك هذه الأنظمة بياناتك الشخصية دون جمع بياناتك الشخصية". غير أن هذا يؤدي إلى بعض المصاعب التقنية. فبعد سنتين من الازدهار الكبير في الذكاء الاصطناعي، ما زال تكليف النماذج حتى بالمهام البسيطة يتطلب مستويات عالية للغاية من قدرات الحوسبة. ومن الصعب تحقيق ذلك بالاعتماد على الرقاقات المستخدمة في الهواتف وأجهزة الكمبيوتر المحمولة، ولهذا السبب لا يمكن تشغيل سوى أصغر نماذج الذكاء الاصطناعي من جوجل على هواتف الشركة، وكل ما عدا ذلك يجري تنفيذه عبر السحابة الإلكترونية.

تقول آبل إنها تمكنت من تنفيذ حسابات الذكاء الاصطناعي على الأجهزة بفضل سنوات من الأبحاث في مجال تصميم الرقاقات، ما أدّى بها إلى تصنيع رقاقات إم 1 (M1) ابتداءً من عام 2020. لكن حتى أكثر رقاقات آبل تطوراً، لا يمكنها التعامل مع أنواع المهام كافة التي تَعِد الشركة بتنفيذها باستخدام الذكاء الاصطناعي. فإذا طلبت من سيري أن ينفذ مهمة معقدة، فقد يحتاج إلى تحويل هذا الطلب، بالإضافة إلى بياناتك، إلى نماذج موجودة فقط على خوادم آبل. يقول خبراء الأمن إن هذه الخطوة تنطوي على مجموعة من الثغرات التي قد تجعل معلوماتك مكشوفة لجهات خبيثة خارجية، أو لآبل نفسها على الأقل. يقول المدير التنفيذي لمشروع الإشراف على تكنولوجيا المراقبة (Surveillance Technology Oversight Project) والممارس المقيم في معهد قانون المعلومات بكلية الحقوق التابعة لجامعة نيويورك، ألبرت فوكس كان: "أنا أحذّر الناس على الدوام من أنه بمجرد خروج معلوماتهم من الجهاز ستصبح أكثر عرضة للخطر".

اقرأ أيضاً: هل ستتفوق حواسيب ويندوز على ماك من آبل بفضل الذكاء الاصطناعي؟

تزعم آبل أنها تمكنت من تخفيف هذه المخاطر من خلال نظامها الجديد للحوسبة السحابية الخاصة. وقد كتب خبراء الأمن في آبل في إعلانهم: "للمرة الأولى على الإطلاق، تُتيح الحوسبة السحابية الخاصة توسيع نطاق إجراءات الأمن وحماية الخصوصية الرائدة على مستوى الصناعة في أجهزة آبل إلى السحابة الإلكترونية"، مشيرين إلى أن البيانات الشخصية "غير متاحة لأي أحد باستثناء المستخدم نفسه، ولا تستطيع حتى آبل أن تصل إليها".

كيف تعمل هذه الإجراءات؟

لطالما شجّعت آبل الناس على الاعتماد على التشفير من طرف إلى طرف (وهي التكنولوجيا نفسها المستخدمة في تطبيقات التراسل الفورية مثل سيجنال [Signal]) من أجل حماية البيانات المهمة على خدمة آي كلاود. لكن هذا غير قابل للتطبيق في حالة الذكاء الاصطناعي. فعلى عكس تطبيقات التراسل الفوري، حيث لا تحتاج شركة مثل واتساب إلى معرفة محتويات رسائلك كي توصلها إلى أصدقائك، فإن نماذج الذكاء الاصطناعي لدى آبل تحتاج إلى الوصول إلى بياناتك الأساسية دون تشفير كي تولّد الإجابات المطلوبة منها. هنا يأتي دور عملية الخصوصية من آبل.

أولاً، تقول آبل، ستُستَخدم البيانات فقط في تنفيذ المهمة المطلوبة الراهنة. ثانياً، سيتولى باحثون مستقلون التثبت من صحة هذه العملية. غني عن القول إن بنية هذا النظام معقدة، غير أنه يمكن تشبيهها ببروتوكول تشفير. فإذا قرر الهاتف أنه يحتاج إلى الاستعانة بنموذج ذكاء اصطناعي أكبر، فسوف يُعدّ طلباً يحتوي على الأمر النصي الذي يستخدمه والنموذج المحدد، ثم يضع قفلاً على هذا الطلب. وسيكون المفتاح الصحيح في حوزة نموذج الذكاء الاصطناعي المحدد فقط الذي سينفذ الطلب. سألت مجلة إم آي تي تكنولوجي ريفيو المتحدث الرسمي باسم آبل إن كان المستخدمون سيتلقون إشعاراً عند إرسال طلب معين إلى نماذج الذكاء الاصطناعي السحابية بدلاً من معالجته على الجهاز نفسه، وأجاب بأن الشركة ستتعامل بشفافية مع المستخدمين، لكن دون إمكانية الإفصاح عن أي تفاصيل أخرى.

تقول المديرة المشاركة في مركز جامعة كاليفورنيا في بيركلي للذكاء اللامركزي المسؤول والخبيرة في الحوسبة الخاصة، داون سونغ، إن التطورات الجديدة التي تشهدها آبل تدعو إلى التفاؤل. وتُضيف قائلة: "إن قائمة الأهداف التي أعلنوا عنها مدروسة بعناية. وبطبيعة الحال سيترافق تحقيق هذه الأهداف ببعض التحديات". يقول كان إن هذا النظام يبدو أكثر حماية للخصوصية بكثير من منتجات آبل الأخرى المنتشرة حالياً بين المستخدمين، وذلك بناءً على ما أفصحت آبل عنه حتى الآن. ومع ذلك، فإن العبارة الشائعة في مجاله التخصصي هي "يمكنك الوثوق لكن تثبت من صحة ما يقال". ويعني هذا أننا لن نستطيع أن نجزم بمستوى الحماية الذي تقدمه هذه الأنظمة لبياناتنا قبل أن يتحقق باحثون مستقلون من صحة مزاعم آبل، كما تَعِد الشركة، ونراقب استجابة الشركة لنتائجهم. ويقول: "إن فتح المجال أمام إجراء باحثين عمليات مراجعة مستقلة يُعدّ خطوة رائعة. لكن هذا لا يحدد كيفية استجابة الشركة عندما يخبرك الباحثون ببعض النتائج التي لا تود سماعها". لم تستجب آبل لأسئلة إم آي تي تكنولوجي ريفيو حول أسلوب الشركة في تقييم الملاحظات التي يقدمها الباحثون.

اقرأ أيضاً: غروك 1.5 فيجن: إليك ما نعرفه عن نموذج الذكاء الاصطناعي المتعدد الوسائط

صفقة الذكاء الاصطناعي والخصوصية

آبل ليست الشركة الوحيدة التي تراهن على أن الكثيرين منا سيمنحون نماذج الذكاء الاصطناعي إمكانية الوصول إلى بياناتنا الخاصة دون أي قيود تقريباً إن كان هذا يُتيح أتمتة المهام الرتيبة. فقد تحدث سام ألتمان من أوبن أيه آي (OpenAI) إلى إم آي تي تكنولوجي ريفيو، واصفاً أداة الذكاء الاصطناعي التي يحلم بها، بأنها "تعلم كل شيء على الإطلاق عن حياتي بأكملها، بما في ذلك كل رسالة إلكترونية تبادلتها، وكل محادثة خضتها". في مؤتمر المطورين الذي عقدته جوجل في مايو/أيار، أعلنت الشركة عن مشروع أسترا (Project Astra)، وهو مشروع طموح لبناء "وكيل ذكاء اصطناعي شامل ومفيد في الحياة اليومية".

إنها صفقة تنطوي على تضارب سيجبر الكثيرين منا على التفكير للمرة الأولى في الدور الذي نريد أن تتولاه نماذج الذكاء الاصطناعي -إن كان ثمة دور- في كيفية تفاعلنا مع بياناتنا وأجهزتنا. عندما ظهر تشات جي بي تي (ChatGPT) في المشهد أول مرة، لم نكن مضطرين للتفكير في هذا السؤال. فقد كان مجرد برنامج لتوليد النصوص ويستطيع أن يؤلف لنا معايدة نكتبها على بطاقة تهنئة أو قصيدة، كما أن التساؤلات التي أثارها -مثل مصدر البيانات المستخدمة في تدريبه أو التحيزات الكامنة التي يكرسها- لم تكن أسئلة شخصية إلى درجة كبيرة.

أمّا الآن، وبعد مرور أقل من سنتين، تُطلق الشركات التكنولوجية الكبيرة مشاريع بقيمة مليارات الدولارات، مراهنة على أننا سنثق بالأمان الذي توفّره هذه الأنظمة بما يكفي لفتح المجال أمامها للحصول على معلوماتنا الخاصة. ليس من الواضح حتى الآن إن كنا نعرف ما يكفي لاتخاذ هذا القرار، أو إن كان الخيار متاحاً حتى أمامنا فيما لو رغبنا في اتخاذ هذا القرار. يقول كان: "أشعر بالقلق من أننا سنشهد سباق تسلح في مجال الذكاء الاصطناعي يدفع المزيد من بياناتنا لتصبح في متناول أشخاص آخرين". ستُطلق آبل قريباً إصدارات تجريبية من ميزات "ذكاء آبل" بدءاً من هذا الخريف مع آيفون 15 ونظام ماك أو إس سيكويا (macOS Sequoia) الجديد، الذي يمكن تشغيله على أجهزة ماك أو آي باد المزودة برقاقات إم 1 أو الأحدث منها. يقول الرئيس التنفيذي لآبل، تيم كوك: "نعتقد أن ذكاء آبل سيصبح ميزة لا غنى عنها".