Article image
حقوق الصورة: أليكسي رايسا عبر أنسبلاش



قد تحاول الولايات المتحدة يوماً ما تضييق الخناق على العملات المشفرة عن طريق تصنيف بعض مستخدميها على أنهم مؤسسات مالية.

إذا كنت من المُهتمين بمستقبل العملات المشفرة، فمن المحتمل أن تكون مُطَّلعاً على قانون السرّية المصرفية، وهو قانونٌ عمره 50 عاماً تقريباً يفرض على المؤسسات المالية في الولايات المتحدة الأميركية أن تساعد وكالات فرض القانون على مكافحة غسيل الأموال. وربما تلجأ الحكومة الأميركية يوماً ما إلى استخدام هذا القانون من أجل فرض ضوابطَ صارمة على إمكانية وكيفية استخدام بعض العملات المبنية على تقنية البلوك تشين. 

إنَّ أحد الذين بإمكانهم مساعدتنا في فهم هذا الموضوع هو ديفيد موراي، نائب رئيس فاينانشيال إنتجريتي نتورك، وهي شركٌة استشارية في العاصمة الأميركية واشنطن تركِّز على التمويل غير المشروع. ففي شهادةٍ له منذ فترةٍ وجيزة أمام لجنةٍ فرعية تابعة لمجلس الشيوخ الأميركي، دعا موراي الحكومةَ إلى توسيع صلاحياتها بموجب قانون السرّية المصرفية من أجل مكافحة استخدام العملة المشفرة من قِبَل المُتاجرين بالبشر؛ حيث قال: “تُعتبر الأصول الافتراضية عُرضةً للاستغلال في التمويل غير المشروع لأنها توفِّر تسوياتٍ مالية سريعة وغير قابلة للنقض بالإضافة إلى إمكانية إخفاء هوية مستخدميها”.

وتقليدياً، تركَّزت الجهود المبذولة لمكافحة التمويل غير المشروع على البنوك وغيرها من الوسطاء الماليين، غير أن شبكات البلوك تشين العامة مثل البيتكوين تُشكِّل تحدياتٍ فريدة أمام سلطات تطبيق القانون؛ فعلى سبيل المثال، يوصي قانون السرّية المصرفية بأن تقوم المؤسسات المالية بجمع معلوماتٍ معينة حول مُستخدميها وتقديم تقارير إلى وزارة الخزانة الأميركية عندما تتجاوز قيمة المعاملات المالية مبلغ 5000 دولار أو عندما تعتبرها معاملاتٍ مَشبوهة. لكن في حالة البيتكوين، فإن التحقُّق من المعاملات المالية يتم عبر شبكةٍ عامة من الحواسيب وليس عبر مؤسسة مركزية، فعلى من يجب فرض القانون في هذه الحالة؟ 

وأضاف موراي أنه لكي تتمكن وزارة الخزانة من إحكام قبضتها على العملات المشفرة، يجب عليها توسيع نطاق التعريف الموجود في قانون السرية المصرفية لمصطلح “مؤسسة مالية” حتى يشمل بعض “مزودي خدمة” العملات المشفرة أيضاً. ورغم أن هذا القانون يشمل فعلاً عمليات تحويل العملات المشفرة ومزودي خدمة تخزين الأصول المشفرة، فإن المشاركين المُهمين الآخرين في أنظمة البلوك تشين ما زالوا خارج نطاق هذا القانون، وهذا يجب أن يتغير حسب قول موراي.

وكانت إحدى المجموعات التي ذكرها على وجه الخصوص هي “الجهات المُخوَّلة للتصديق على معاملات الأصول الافتراضية”؛ حيث تختلف طرق عمل أنظمة البلوك تشين عن بعضها البعض، ولكن تشترك جميعُها في أنه يتعيَّن على المشاركين الذين يشغِّلون برامج الشبكة القيام بتصديق المعاملات المالية الجديدة. وفي شبكات بيتكوين ومثيلاتها من العملات المشفرة، تُسمى هذه المجموعة “المُنقِّبون” لأنهم يتلقّون عملةً رقمية جديدة لِقاء نشاطهم في التنقيب عن هذه العملات. وقال موراي إنه يتوجَّب على الولايات المتحدة تنظيم عمل المنقِّبين باعتبارهم شركات خدمات الأموال.

إلَّا أن وضع قواعد على المنقبين من شأنه أن “يُفقد هذه التقنية مقوِّمات الاستمرار” على الأقل في الولايات المتحدة، على حدِّ تعبير بيتر فان فوكينبيرج، مدير الأبحاث في كوين سنتر، وهي مجموعة دفاع عن سياسات البلوك تشين في العاصمة واشنطن. كما أن هذا الأمر قد لا يكون ممكناً تطبيقه بشكل عملي؛ فإذا وضعنا في الحسبان الطبيعة العالمية وشبه السرية للبيتكوين والأنظمة المشابهة، سيكون من الصعب -إن لم يكن مستحيلاً- تحديد هوية وموقع جميع المنقبين، الذين يمكنهم الانتقال إلى أي بلدٍ آخر حيث تكون القواعد أقلّ صرامةً على عملهم. ويقول فان فوكينبيرج إنه بالإضافة لذلك، ليس من المنطقي إجبار منقبي البيتكوين على تعقُّب عملائهم بالطريقة التي تقوم بها المؤسسات المالية؛ نظراً لعدم وجود عملاء لديهم أساساً. ويقول: “لا يملك المنقبون أدنى فكرة عن هوية مَنْ طلبَ المعاملات المالية على شبكة البلوك تشين” مضيفاً أن عملهم يقتصر على “تشغيل البروتوكول” فقط على أمل الحصول على مكافأتهم.

ويشير فان فوكينبيرج إلى أن وزارة الخزانة طالما امتلكت النفوذ الكافي لتوسيع تعريف قانون السرّية المصرفية لمصطلح المؤسسة المالية ليشمل مُنقِّبي العملات المشفرة، إلا أنها اختارت بشكلٍ صريح عدم القيام بذلك حتى الآن. كما أن الهيئة الدولية المسؤولة عن مكافحة غسيل الأموال -التي تسمى مجموعة العمل المالي- قد فضَّلت هي الأخرى تجنُّب وضع قواعد على المنقبين، وركزت عوضاً عن ذلك على تحويلات العملات المشفرة.

ليس من المُستغرب أن يتغير هذا، ربما في أعقاب بعض الجرائم المستقبلية التي تنطوي على استخدام العملات المشفرة. فإذا ما حاولت السلطات الأميركية يوماً ما توسيع سلطاتها بموجب قانون السرّية المصرفية من أجل مواجهة العملات المشفرة، فإنها ستدخل في حالة حرب مع المناهضين لهذا الأمر. ويرى فان فوكينبيرج أن استخدام قانون السرّية المصرفية على أنه وسيلةٍ لوضع قواعد على مُطوِّري برامج العملات المشفرة والمستخدمين الفرديين سيكون أمراً غير دستوري.


شارك



محرر مشارك