Article image
مصدر الصورة: إم إس تك/ مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها | أنسبلاش



مع تسارع التغيرات في الوباء، يمكن أن نفكر بطريقة أفضل بكيفية الحصول على المعلومات التي نحتاجها ومشاركتها.

بقلم

2021-09-11 12:39:38

11 سبتمبر 2021

بحلول بدايات أغسطس، كانت الأحلام بإمضاء صيف رائع بفضل اللقاحات قد تلاشت مع ظهور متحور دلتا، الذي أدى إلى ارتفاع كبير في إصابات كوفيد في الولايات المتحدة. وعندما اعتقد الكثيرون أن الأمور لن تصبح أسوأ من ذلك، بدأت وكالات الأنباء بالحديث عن سلالة جديدة أطلقوا عليها اسم “دلتا بلس”. ولكن، تبين أن هذا الاسم مضلل؛ حيث إن دلتا لم يصبح أشد خطورة، كما أن عملية التطور الطبيعية ستؤدي إلى ظهور متحورات جديدة للفيروس. وعلى الرغم من هذا، فقد انتشرت الأخبار على أي حال، وانتشرت معها الميمات والمنشورات المذعورة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وعلى الرغم من أن القصص والمقالات التي تحمل الكثير من المبالغة لا تمثل سوى نسبة صغيرة من التغطية الإخبارية لكوفيد-19، فإنها تمثل أيضاً مشكلة كبيرة عانيت منها خلال عملي في تغطية الوباء، وباختصار، فإن تغطية كوفيد-19 بصورة جيدة واحترافية أمر صعب للغاية. وكقارئة للأخبار، فقد وجدت نفسي على الجانب الآخر مع الجميع؛ حيث إن التغطية الإخبارية المشوشة أو المضللة يمكن أن تؤدي إلى الفوضى والارتباك عندما يجد المتابعون أن أفضل المعلومات المتاحة تتغير باستمرار.

إن التعامل مع الحلقة الإخبارية حول كوفيد-19 أمر مرهق، بل مستحيل، دون درجة ما من الاستيعاب لكيفية صياغة الأخبار. وهذا ما أحاول أن أذكر نفسي به عندما أحاول البحث عن أجوبة.

يجب الحذر من عقدة العناوين المخيفة في هذا المجال

المتحول المزدوج، متحور يوم الدينونة، بل وحتى الشيطان! هذه فقط عينة صغيرة من الأسماء التي استُخدمت لتوصيف المتحورات الجديدة من كوفيد-19. ولكن الخبراء الذين يدرسون الفيروس يقولون إن التركيز الإعلامي المستعجل والسابق لأوانه على كل متحور جديد يمكن أن يحول الانتباه عن المسائل الأكثر أهمية، مثل فعالية اللقاحات.

وتقول جيجي كويك جرونفول، وهي باحثة أساسية في مركز جونز هوبكنز لحماية الصحة، إنها عندما تسمع روايات جديدة حول متحورات تحمل أسماء مخيفة مثل “دلتا بلس”، فإنها تحاول أن تتغلب على الإيحاء بأننا نتعامل مع وحش جديد مختلف كلياً.

وتقول: “المتحورات الجديدة ليست من فعل السحر؛ حيث إن الأشياء التي نحاول فعلها للتخفيف من أثر النسخة القديمة هي نفس الأشياء التي نلجأ إليها لمواجهة ألفا وبيتا وجاما ودلتا”.

من الصحيح أن دلتا يمتلك قدرة أعلى على الانتقال، وأن هذا أرغم العديد من السلطات على إعادة فرض ارتداء الأقنعة والتباعد. 

ولكن إذا رأيت عنواناً يقول “كيف تميز أنك مصاب بالمتحور دلتا”، فيجب أن تدرك أن طريقة التفكير هذه لن تساعدك في نهاية المطاف؛ ففي الولايات المتحدة، على الأقل، تُستخدم عملية التسلسل الجيني بشكل أساسي لمراقبة الوضع بشكل عام، وليس على أساس كل حالة على حدة. وهذا يعني، وفقاً لكويك جرونفول، أن أكثر المصابين بكوفيد لن يعرفوا على الإطلاق المتحور الذي أصيبوا به. وعلى أي حال، فإن نفس الأطباء يشرفون على علاج جميع المتحورات.

“لو حدث هذا الوباء منذ 10 سنوات لما انشغلنا بهذه الحوارات. وكنا سنركز على نجاح اللقاحات وأهمية التطعيم للجميع”.
– جيجي كويك جرونفول، جونز هوبكينز

لماذا؟ أحد أهم الأسباب هو أن أكثر القصص “إخافة” تجتذب المزيد من النقرات، وهو ما يناسب وسائل الإعلام التي تعتمد على الإعلانات الرقمية، والتي تولد الأموال على أساس حركة المرور على الموقع.

وتقول: “أقول للناس طوال الوقت أنه لو حدث هذا الوباء منذ 10 سنوات لما انشغلنا بهذه الحوارات، فقد تظهر هذه المتحورات في جريدة ما بعد 10 سنوات، ولن ينتبه إليها أحد. وكنا سنركز على نجاح اللقاحات وأهمية التطعيم للجميع”.

المعلومات تتغير، وهذا أمر مقبول

لا تتحرك عملية الاكتشاف العلمي بنفس السرعة الحارقة التي تتحرك بها دورة الأخبار المتقلبة على الدوام. كما أنها لا تستطيع مجاراة أسئلة الناس المتواصلة حول كيفية البقاء على قيد الحياة في وجه الوباء. ويتساءل القراء: هل يجب أن أمسح البقالة لتنظيفها؟ ما مخاطر ركوب قطار الأنفاق؟ هل يمكن أن أصاب بأعراض كوفيد لمدة طويلة حتى بعد التطعيم؟ غالباً ما تفتقر هذه الأسئلة إلى إجابات سهلة أو جيدة، ويقول الخبراء الذين تحدثت معهم إن التحدث إلى العامة حول العوامل المجهولة كان أمراً في غاية الصعوبة.

ولكن نظراً لكون هذا المرض جديداً، فإن العلماء وسلطات الصحة العامة يتعلمون بالتجربة العملية كيفية التعامل معه، وبعد أكثر من سنة ونصف، ما زالت المعلومات المتعلقة بمواضيع أساسية مثل المناعة والإصابة بأعراض كوفيد لمدة طويلة في مرحلة التطور. غالباً ما يبحث العلماء عن الأجوبة بشكل يترافق مع بحث العامة عنها، ولكن هذا ليس واضحاً للأشخاص العاديين، الذين يتوقعون معلومات فورية وذات مصداقية.

تقول رينيه ديريستا، وهي مديرة البحث التقني في مرصد ستانفورد للإنترنت: “من الأشياء التي لم تكن سلطات الصحة العامة تقوم بها بالضرورة، والتي يجب أن نرى المزيد من التركيز عليها في المستقبل، هي التواصل مع الناس حول المسائل غير المؤكدة”.

وتقول ديريستا إن نقص الوضوح -والتضارب أحياناً- في رسائل سلطات الصحة العامة قد ينتقل إلى الصحافة، ويؤدي إلى نشوء فراغ تملؤه المعلومات المضللة وغير المؤكدة وتنتشر فيه.

وتضيف: “قد يقوم أي شخص لديه أي رأي بملء هذا الفراغ”.

ويمكن لهذه الرسائل المتضاربة، إضافة إلى واقع بطء العمل العلمي، أن تؤدي إلى تفاقم انعدام الثقة. وبدلاً من أن تبدو التغيرات في الإرشادات الرسمية كدلالات على استجابة السلطات الصحية للبيانات الجديدة بشكل مسؤول، فمن السهل أن يعتقد العامة أن هذه السلطات ووسائل الإعلام أخطأت ثانية، وعلى سبيل المثال، عندما غيرت مراكز السيطرة على الأمراض ومنعها إرشاداتها المتعلقة بالكمامات. وتستغل الأطراف ذات الأهداف السياسية حالة عدم الثقة هذه؛ حيث إن العناوين الإخبارية سيئة الصياغة والتغريدات المضللة من قبل وسائل الإعلام ذات السمعة الحسنة، أو توقعات الصحفيين التي لا تصدق لاحقاً، يمكن أن تتحول إلى ميمات تصيّد أخطاء وعثرات يستخدمها المؤثرون المتعصبون حزبياً في سعيهم الدائم لتفتيت الثقة بوسائل الإعلام.

تقول ديريستا: “ستستغل كيانات مثل نيوزماكس أي فرصة لالتقاط أي وقائع تبين أنها خاطئة أو تعرضت للتغيير من بث سي إن إن”.

يحتاج مسؤولو الصحة العامة (والمراسلون الذين يغطون ما يقول هؤلاء المسؤولون ويفعلون) إلى نظام أفضل للتعبير عما لا نعرفه بعد، وإيضاح ضرورة تغيير الإرشادات على ضوء المعلومات الجديدة. وقد دعت ديريستا إلى مقاربة شبيهة بأسلوب ويكيبيديا في الصحة العامة؛ حيث يصبح تطور المعرفة العلمية والجدل عاماً وشفافاً، مع فتح المجال أمام نطاق واسع من الخبراء للمساهمة بمعلوماتهم. وتقول: “يستحيل أن نعود إلى الطريقة القديمة؛ حيث تجتمع مجموعة ما في مكان مخفي للإجماع على رأي واحد وتقديمه إلى العامة الذين يثقون فيهم. لقد أصبح هذا النموذج من الماضي”.

“إذا أمضى الصحفيون وقتاً أقل على التفاصيل الدقيقة اليومية، وخصصوا وقتاً أطول لتطوير قصص إخبارية معقدة ومفصلة، فسوف يقدمون خدمة أفضل بكثير للعامة”.
– إريكا تشيك هايدن، جامعة كاليفورنيا سانتا كروز

ونحن نشهد هذا النوع من التجاذب العلمي على وسائل التواصل الاجتماعي بين الباحثين، وخبراء الصحة العامة، والأطباء. تقول إريكا تشيك هايدن، وهي صحفية علمية ومديرة برنامج التواصل العلمي في جامعة كاليفورنيا سانتا كروز، إن الصحفيين يجب أن يتذكروا أهمية القيام بعملهم على أكمل وجه مع تزايد إمكانية الاطلاع على النقاشات العلمية.

وتقول: “قد تحصل على معلومات مفيدة، من وجهة نظر صحفية، إذا تمكنت من فهم كيفية عمل الخبراء، وما الذي يحدث فعلاً. ولكن المشاكل تبدأ عندما تتمسك بنقطة معينة خلال لحظة معينة في النقاش، وتقدمها كاستنتاج ما”.

وهي نصيحة جيدة للقارئ العادي أيضاً.

التركيز على الفائدة

إذن، كيف يمكنك العثور على الأخبار الموثوقة ذات الصلة المباشرة بحياتك؟ أحد الخيارات هو متابعة المصادر، خصوصاً المصادر المحلية، التي لا تركز حصرياً على تغطية التفاصيل ودقائق الأمور. ومن المرجح أن التغطية التي تضع المعلومات اليومية في سياقها العام ستكون أكثر فائدة لك من سلسلة نهائية من الأخبار التي تعتمد ببساطة على البيانات العامة.

وعلى سبيل المثال، فإن ساوث سايد ويكلي هي صحيفة لاربحية في شيكاغو، وتمثل نموذجاً مختلفاً. تغطي ويكلي أخبار الجهة الجنوبية من شيكاغو، وهي منطقة تسكنها أغلبية من ذوي البشرة غير البيضاء. وقد قامت الصحيفة التي تعتمد بشكل كبير على العمل التطوعي بإنتاج تشيفاكس بوت، وهو حساب تويتر مؤتمت يقوم بمشاركة خريطتين جنباً إلى جنب يومياً، وهما معدلات تطعيم كوفيد-19 وفقاً للرمز البريدي، ومعدلات وفيات كوفيد-19 وفقاً للرمز البريدي. وبدلاً من عرض لقطة للبيانات اليومية، فإن التحديثات اليومية تعرض النمط مع مرور الزمن. وبسبب عملية التتبع البطيئة والمتواصلة هذه، أطلق البوت إنذاراً حول تفاوتات عملية التطعيم؛ فقد ظهر ارتفاع في معدلات الوفيات وانخفاض في معدلات التطعيم في مناطق ذوي الأصول الأفريقية واللاتينية، وهو وضع ما زال موجوداً حتى اليوم.

كما وُضعت البيانات في سياقها الصحيح بحرص. وقد قامت تشارماين رونز، وهي إحدى مصممي البوت، بكتابة عدة شروحات، ومشاركة مصادر البيانات، والنتائج الأساسية، والسياق، مثل الجهود التي تركز على تحقيق المساواة على مستوى المدينة.

وتقول رونز: “تنشر المدينة الكثير من البيانات، ولكن هذا النشر لا يتم دائماً بطريقة مفيدة للناس. وقد أصبح من واجب وسائل الإعلام أن تتحمل جزءاً من عبء تفسير المعلومات للناس، وتشير إلى المعلومات التي يجب أن يركزوا عليها”.

لم تعتمد ويكلي على وسائل الإعلام الأخرى للبحث عن دلالات على ما يجب على طاقمها تغطيته. وبدلاً من ذلك، تقوم بنشر قصص إخبارية تعكس هموم الناس الذين تأمل في خدمتهم، وتتجاوز المسائل السطحية وصولاً إلى العمق، وفقاً لرئيسة التحرير جاكلين سيراتو. 

وتقول: “أعتقد أن إحدى نقاط الضعف لدى وسائل الإعلام عموماً هي ميلها إلى إهمال السياق التاريخي.  وعادة ما تميل إلى تجاهل تحليل طبقات المجتمع أو تجاذبات السلطة. وعلى الرغم من أنها تقدم حقائق راسخة، فإنها نادراً ما تبين لك دور هذه الحقائق في حياتك اليومية”.

تقول تشيك هايدن إن المقاربات الأكثر بطئاً وتفصيلاً للأخبار يمكن أن تقدم خدمة أفضل للناس، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار بطء وتيرة العمل العلمي الموثوق.

وتقول: “إذا أمضينا -نحن الصحفيين- وقتاً أقل على التفاصيل الدقيقة اليومية، وخصصنا وقتاً أطول لتطوير قصص إخبارية معقدة ومفصلة، فسوف نقدم خدمة أفضل بكثير للعامة”.

قد يبدو إبطاء الوتيرة معاكساً للمنطق البديهي، سواء كنت قارئاً يركز على السلبيات ويتحرق للحصول على النصيحة والإرشاد، أو صحفياً يبحث عن عنوان إخباري مثير جديد. إن الوباء سريع التغير -ويمكن لوتيرة الإصابات أن تتصاعد بحدة في أيام معددة- وتبدو أحدث المعلومات على الدوام عاجلة وهامة. ولكنني لاحظت طابعاً ثابتاً خلال عملي على مدى السنوات الماضية، وهو أن البطء قد يكون أفضل.

لقد تحدثت مع الكثيرين أثناء تغطيتي لكوفيد-19 على مدى أشهر عديدة، وغالباً ما كانوا يقدمون توصيفاتهم للشبكات والأنظمة والعلاقات التي يجب تأسيسها للاستجابة الناجحة للطوارئ، سواء من حيث اكتساب الثقة باللقاحات، أو دعم الوصول إلى العناية الصحية في المجتمعات المهمشة خدمياً، أو تقديم مساعدات من حيث الغذاء وأجرة السكن لمن يحتاجون إليها.

وعندما تحدثت مؤخراً مع علي خان، وهو عامل في مجال العناية الصحية في شيكاغو، وصف عملية بناء هذه الأنظمة بأنها “عملية بطيئة“. قد يكون من المفيد للقراء والصحفيين استقاء الدروس من هذه المقاربة المثابرة والدقيقة، خصوصاً بوجود هذا الوباء الذي لا يبدو أنه سينتهي قريباً.

هذه المقالة جزء من مشروع تكنولوجيا مواجهة الجائحة الذي تدعمه مؤسسة روكيفيلر.