Article image
مع توسع الولايات المتحدة في اختبارات فيروسات كورونا، لا بدّ لها من إيجاد طريقة أفضل لتنظيم البيانات والإبلاغ عنها مع المضي قدماً.
مصدر الصورة: ديفيد دي ديلجادو / صور جيتي



في الولايات المتحدة، تقرر كل ولاية كيفية الإبلاغ عن نتائج اختبارات فيروس كورونا. والنتيجة هي نظام فوضوي لا يصبّ في صالح استجابتها للوباء.

2020-05-10 15:02:59

10 مايو 2020

تخيّل أنك خبير في الوبائيات أو الصحة العامة في الولايات المتحدة خلال الأزمة الحالية، واتصل بك كبار المسؤولين المنتخبين للتو لطلب نصيحتك بشأن ما إذا كان من الآمن تخفيف بعض قيود الإغلاق. لتحضير إجابتك، لا بدّ من النظر بتمعّن في دلالات بيانات اختبارات فيروس كورونا. 

يتعيّن للحصول على هذه البيانات زيارة موقع دائرة الصحة على الإنترنت لكل ولاية معنية (والولايات المجاورة لها)، وسحب تلك المعلومات بشكل منفصل، ثم محاولة جمعها كلها. عليك أن تتمنى أن تكون هذه المعلومات محدثة؛ لأنه لا يوجد ضمان لذلك. وقد تضطر حتى إلى الاتصال بإدارات الصحة مباشرة وتقديم طلب خاص إذا كنت تبحث عن أرقام ومعلومات ليست متوافرة على مواقعها على الإنترنت. تمثل هذه العملية برمتها مسألة طويلة ومحبطة، وقد لا تحصل حتى على ما تريد.

فما السبب في ذلك؟ يعود الأمر إلى أن نظام الصحة العامة في الولايات المتحدة هو نظام لامركزي. ففي حالة فيروس كورونا، لا يوجد معيار ثابت لكيفية قيام الولايات بجمع البيانات والإبلاغ عنها؛ إذ تقرر كل ولاية بمفردها مع دائرة الصحة الموجودة فيها كيف تريد التعامل مع الاختبارات، بما في ذلك كيفية جمع النتائج وتنظيمها والإبلاغ عنها. ويمكن لذلك أن يمثل مشكلة.

يقول نيل غولدستين، عالِم الأوبئة في كلية دورنسيفي للصحة العامة بجامعة دريكسل: “كما هو متوقع، فإن بعض إدارات الصحة أفضل من غيرها”.

تقوم إدارة الصحة في كل ولاية بالإبلاغ عن عدد الاختبارات الإيجابية والسلبية. ولكن بعد ذلك تظهر الاختلافات. يمكن للولايات اختيار ما إذا كنت تريد تفصيل الأرقام حسب الموقع الجغرافي (مثل الرمز البريدي) وعدد حالات التعافي والوفيات (المؤكدة والمحتملة) وعرض معلومات عن حالات دخول المستشفيات وعوامل متعلقة بها مثل الخضوع لجهاز التنفس الصناعي، أو دخول وحدة العناية المركزة، أو تضمين معلومات ديموغرافية مثل الأصل العرقي للمرضى وأعمارهم وأجناسهم وحالاتهم الطبية السابقة.

في بعض المناطق، مثل مدينة نيويورك، تكون البيانات الخام متوافرة مجاناً لأي جهة مهتمة بها، ويتم تحديثها بانتظام. لكن هذا النوع من الشفافية نادر الوجود، وغالباً ما تضطر إلى تقديم طلبات خاصة مضنية وتستغرق وقتاً طويلاً للحصول على بيانات أكثر عمقاً بخصوص الاختبارات. 

يسبب هذا الخليط من الأساليب والمعايير تأخيراً في استجابة الولايات المتحدة للوباء. فمن دون نظام موحد وفعال لتجميع بيانات اختبارات فيروس كورونا والإبلاغ عنها، فإننا نفتقر إلى المعلومات المحدثة التي من شأنها أن تساعد في تركيز جهودنا، ويجب أن نستفيد من الموارد والأوقات غير الضرورية اللازمة لحل الاختلافات والتفاوتات في الأرقام. تعتمد بعض الأمور مثل تتبع حالات المخالطة والرصد وإدارة موارد المستشفيات على معلومات الاختبارات في الوقت الفعلي، ولكن يصعب الحصول على ذلك عندما لا يقوم الجميع بالإبلاغ عنها بنفس الطريقة. يمكن أن يؤثر التأخير الناجم عن عملية توحيد شكلها على عملية صنع القرار؛ إذ لا يرغب صنّاع السياسة باتخاذ قرارات بناءً على بيانات تعود لقبل 72 ساعة بسبب انتظارهم الخبراء وهم يقومون بتنسيق المعلومات الواردة. 

يقول غولدستين: “يكون من الصعب علينا كعلماء أوبئة استخلاص استنتاجات على مستوى السكان عندما يكون هناك عدم اتساق في البيانات. يؤثر ذلك حقاً على قدرتنا على تقييم النطاق الحقيقي للوباء لأنه يؤثر على الولايات المتحدة”.

من الجدير بالذكر أن بعض الولايات والبلديات لم تلحق بعد بركب القرن الحادي والعشرين. تشير إميلي ترافانتي، المديرة العلمية لمختبر الصحة العامة بولاية كولورادو، إلى أن ولايتها تسمح بالإبلاغ عن النتائج بالفاكس، لأن بعض العيادات الصغيرة لا تملك وسائل إلكترونية للقيام بذلك. ويقول آرون ميري، كبير مسؤولي المعلومات في كلية ديل الطبية بجامعة تكساس في أوستن، إنه من المألوف أن تصادف بعض المؤسسات التي تستخدم برنامج إكسل بدلاً من البرامج الأكثر تطوراً للسجلات الصحية الإلكترونية. وتقوم ولايات أخرى بالتقدّم نحو الأمام ببطء ببساطة.

وبنفس الوقت، يريد علماء الأوبئة فهم انتشار المرض في المجتمع. ينطوي هذا العمل على ضبط الأرقام لمراعاة النتائج الخاطئة، أي نقل النتائج السلبية الخاطئة إلى عمود النتائج الإيجابية. ولكن ذلك يعتمد على إدارة الصحة للإبلاغ عن إجراءات الدقة حتى يتمكن العلماء من إجراء التصحيحات، إلا أن هذه الإجراءات ليست متجانسة دائماً على مستوى الولايات، أو حتى المقاطعات، على افتراض أنه يتم الإبلاغ عنها أصلاً. 

يقول غولدستين: “يمكنك أن تتواصل مع إحدى إدارات الصحة وتعمل على بياناتها ومع خبرائها، ولكن بمجرد الانتقال من إدارة صحة إلى أخرى، يمكن أن يكون السيناريو مختلفاً تماماً”. قد تكون محاولة فهم الاتجاهات عبر حدود الولايات بمثابة كابوس، ولكن الفيروس لا يميز بين الحدود. 

سيؤدي إنشاء منصات جديدة للاختبارات إلى تفاقم هذه المشاكل؛ فليس هناك ما يضمن تقديم نتائج الاختبارات المنزلية إلى الولاية ما لم يقصد الأشخاص الذين يخضعون لتلك الاختبارات الانخراط في نظام الرعاية الصحية. إن تفاوت دقة هذه الاختبارات يعني أن النتائج لا تمتلك نفس الأهمية، ولا يجب أن يتم حسابها بنفس الطريقة.

فكيف نحل هذه الفوضى؟ الخبر السار هو أننا لسنا مضطرين لاختراع شيء جديد، وإنما علينا فقط توسيع نطاق الحلول التي نمتلكها. تستخدم العديد من أنظمة الرعاية الصحية بالفعل خاصية معيارية لإدارة بيانات السجلات الصحية وعرضها، تسمى موارد الرعاية الصحية القابلة للتبادل بشكل سريع (FHIR). وتمتلك المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أداة جديدة تعتمد على هذه الخاصية ويمكنها إنشاء تقارير بشكل تلقائي لحالات فيروس كورونا باستخدام نتائج الاختبارات الجديدة وسجلات المرضى الإلكترونية. ويمكن لهذه الأداة إرسال تلك التقارير إلى إدارات الصحة بمفردها، دون إشراف بشري. وهناك إصدار أولي متاح بالفعل.

يقول إريك هوانغ، العميد المساعد للمعلوماتية الطبية الحيوية في كلية الطب بجامعة ديوك، إنه من الضروري أن تتمكن الأنظمة الحاسوبية المختلفة للرعاية الصحية من العمل مع بعضها. وقد طورت شركة لوجيكا غير الربحية منصة مفتوحة المصدر قابلة للتبادل تم تصميمها لتسهيل جمع وتنظيم كافة البيانات السريرية المرتبطة بفيروس كورونا لجميع الأنظمة الصحية. ويقول: “أعتقد أنه ينبغي تبنّي ذلك، والبدء بإعداد البيانات وفق هذا التنسيق”.

ويؤكد ميري أنه من المهم أن تكون هذه المنصات مرنة بما يكفي للتعامل مع التحديثات والتغيرات المنتظمة بقوله: “بينما نستمر في معرفة المزيد عن مرض فيروس كورونا، فإننا نتعرف أكثر على ماهيّة البيانات المهمة التي يجب الإبلاغ عنها”. فعلى سبيل المثال، أضافت المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها 15 عنصراً جديداً للتو إلى النموذج الخاص بالإبلاغ عن حالات فيروس كورونا. ويقول: “علينا أن نكون مستعدين لبناء الطائرة أثناء الطيران، إذا جاز التعبير”.

وهناك حلول أخرى أكثر بساطة؛ حيث يقترح دونالد ثيا، أستاذ الصحة العالمية في جامعة بوسطن، أنه يمكن من الناحية النظرية استخدام جهاز ذكي لتتبع اختبارات تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR) فور إجرائها وإرسال النتائج مباشرة إلى إدارة الصحة على المستوى المحلي أو على مستوى الولاية بمجرد إدخالها، دون الحاجة إلى تدخل الإنسان لقراءة تلك المعلومات وإدخالها يدوياً. ويجب على أي عيادة لم تعتمد بالفعل السجلات الصحية الإلكترونية المستندة إلى السحابة أن تقوم بذلك، وإذا كانت قلقة بشأن مثل هذه الخطوة الجذرية في مثل هذه الأوقات الفوضوية، فيمكنها حصرها بحالات فيروس كورونا فقط. 

وكان إريك بيراكسليس، الحائز على زمالة روبنستاين في جامعة ديوك، قد قاد جهوداً في غرب إفريقيا خلال تفشي فيروس إيبولا في عامي 2014 و2015. ويقول إن الدرس الأكبر الذي تعلّمه هو أن “التدخّل في وقت أبكر بشيء أصغر كان أكثر قيمة من انتظار شيء أكبر إلى وقت متأخر”. وحتى لو حاولت توحيد بيانات الاختبارات بالاعتماد على الأقلام والأوراق وعدد قليل من الأشخاص، فهذا أفضل من الانتظار للحصول على “تطبيق خارق” يصل إلى السوق بعد عدة أشهر. 

يتفق معظم الخبراء على أنه في الوضع المثالي، فإن الحكومة الفيدرالية هي التي تقود إدارة بيانات الصحة العامة لمثل هذه الأزمة، ولكن من غير المرجح أن يحدث ذلك. ونظراً إلى أن بعض النماذج تشير إلى الحاجة إلى تطبيق تدابير الاستجابة ضد الوباء حتى عام 2022، فإن ميري لا يعتقد بأن الوقت قد فات للدفع نحو مبادرة وطنية. ينطوي الأمر على مجرد تمويل مثل هذه الإجراءات وإقناع الولايات بقبول المزيد من الرقابة. وهذا ليس بالأمر السهل، ولكن تأثيرات الوباء ربما خففت قليلاً من مواقف مسؤولي الولايات. 

ويقول ميري: “قد يستغرق الأمر ما يتراوح بين 24 و36 شهراً. ولكن إذا لم يتم البدء اليوم، فعندما يقع الحدث التالي، فإننا سنظل مكاننا كما كنا أثناء وباء إيبولا، حيث كان يمتلك جزء من الناس عمليات معقولة، بينما نصفهم كان يستخدم برنامج إكسل. لا يمكننا القيام بذلك بعد الآن. علينا أن نقوم بالعمل معاً”.