Article image
مصدر الصورة: إم إس تك عبر أنسبلاش



تدعو التعاليم البوذية إلى تركيز الطاقات على إنهاء المعاناة في العالم، فكيف يمكن أن يستفيد الذكاء الاصطناعي من هذه الفكرة؟

2021-01-29 16:33:35

29 يناير 2021

أدى النمو المتسارع للذكاء الاصطناعي إلى تعزيز الآمال بأنه سيساعدنا على حل الكثير من المشاكل الأكثر صعوبة في العالم. ولكن ثمة الكثير من المخاوف أيضاً حول قدرات الذكاء الاصطناعي، واتفاق متنامٍ على ضرورة توجيه استخدامه لتجنب التأثير على حقوقنا.

لقد قامت الكثير من المجموعات بمناقشة واقتراح العديد من التوجيهات الأخلاقية لكيفية تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي. وعلى سبيل المثال، فقد قامت منظمة IEEE -وهي منظمة عالمية احترافية للمهندسين- بنشر وثيقة من 280 صفحة حول هذا الموضوع (وقد ساهمتُ في صياغتها)، كما نشر الاتحاد الأوروبي هيكليته الخاصة أيضاً. وتتضمن القائمة العالمية لتوجيهات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي أكثر من 160 مجموعة من هذه التوجيهات من كافة أنحاء العالم.

ولكن، ومن سوء الحظ، فإن معظم هذه التوجيهات تم تطويرها من قِبل مجموعات أو منظمات تتركز في أميركا الشمالية وأوروبا، وقد نشرت عالمة الاجتماع آنا جوبين وزملاؤها نتائج عملية مسح كشفت وجود 21 مجموعة من هذه المجموعات في الولايات المتحدة، و19 في الاتحاد الأوروبي، و13 في المملكة المتحدة، و4 في اليابان، وواحدة في كل من الإمارات العربية المتحدة والهند وسنغافورة وكوريا الجنوبية.

إن هذه التوجيهات تعكس قيم الأشخاص الذين يقومون بصياغتها. وقد صيغت أغلب توجيهات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي من قِبل بلدان غربية، ما يعني أن هذا المجال يخضع لهيمنة القيم الغربية، مثل احترام التصرف الذاتي وحقوق الأفراد، خصوصاً وأن التوجيهات الأخرى القليلة التي أصدرتها بلدان أخرى تعكس في معظمها قيم الغرب أيضاً.

قد يُعزى تشابه التوجيهات المصوغة في بلدان مختلفة إلى كون بعض القيم عالمية فعلاً. ولكن، وحتى تعكس هذه التوجيهات وجهات نظر الناس في البلدان غير الغربية بشكل فعلي، يجب أن تمثل أنظمة القيم التقليدية الموجودة في كل ثقافة أيضاً.

ويجب أن يتشارك الناس في الشرق والغرب بأفكارهم، ويدرسوا أفكار الآخرين لإغناء وجهات نظرهم الخاصة. ونظراً لانتشار تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه في جميع أنحاء العالم، فإن طريقة تفكيرنا بالذكاء الاصطناعي يجب أن تعتمد على جميع التقاليد الفكرية الهامة.

وبناء على هذا، فإنني أعتقد أن الأفكار المستقاة من التعاليم البوذية يمكن أن تفيد أي شخص يعمل على أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في أي مكان في العالم، لا الثقافات ذات الأساس التقليدي البوذي فحسب (والتي تتواجد بشكل أساسي في الشرق، وعلى وجه الخصوص في جنوب شرق آسيا).

تقترح البوذية طريقة تفكير حول الأخلاقيات بناء على افتراض يقول بأن جميع الكائنات العاقلة تحاول تجنب الألم. ولهذا، يقول بوذا إن الفعل يُعد جيداً إذا أدى إلى التحرر من المعاناة.

وبالنسبة للذكاء الاصطناعي، تقتضي هذه القاعدة أن الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي يجب أن يهدف إلى التقليل من الألم والمعاناة. وعلى سبيل المثال، فإن تكنولوجيا التعرف على الوجوه يجب أن تُستخدم فقط إذا تبين أنها تخفف من المعاناة أو تدعم الصالح العام. إضافة إلى ذلك، فإن هدف تخفيف المعاناة يجب أن يشمل الجميع، ولا يقتصر فقط على الذين يتعاملون مباشرة مع الذكاء الاصطناعي.

بطبيعة الحال، يمكن أن نفسر هذا الهدف بشكل عام حتى يضمن إصلاح المشاكل التي تؤدي إلى تخفيض فعالية نظام أو عملية ما، أو تغيير وضع ما نحو الأفضل. وبالتالي، فإن استخدام التكنولوجيا لممارسة التمييز ضد الآخرين أو مراقبتهم وقمعهم سيكون بشكل واضح أمراً غير أخلاقي. أما في حال وجود وضع ضبابي أو عدم التأكد من طبيعة تأثير ما، فإن عبء الإثبات يقع على كاهل من يسعون إلى إثبات عدم تسبب تطبيق ما للذكاء الاصطناعي في الأذى.

لا تتسبب في الأذى

يجب على أخلاقيات الذكاء الاصطناعي المستوحاة من التعاليم البوذية أن تأخذ بعين الاعتبار أيضاً أن اتباع هذه المبادئ يتطلب تنمية وتهذيب النفس؛ يعني هذا أن الذين يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي يجب أن يقوموا بتدريب أنفسهم باستمرار للاقتراب من هدف القضاء على المعاناة بشكل كامل. إن تحقيق الهدف بحد ذاته ليس مهماً بقدر أهمية اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيقه. إن الممارسة نفسها هي التي تهم.

وهكذا، يجب على المصممين والمبرمجين أن يطبقوا هذه الممارسة بالاعتراف بهذا الهدف ووضع خطوات محددة يجب أن يتخذها عملهم لكي يجسد العمل هذه الفكرة. يعني هذا أن الذكاء الاصطناعي الذي ينتجونه يجب أن يكون موجهاً نحو مساعدة العامة للقضاء على المعاناة ودعم الصالح العام.

وحتى يكون هذا ممكناً، يتعين على الشركات والوكالات الحكومية التي تقوم بتطوير أو استخدام الذكاء الاصطناعي أن تتحمل مسؤولياتها أمام العامة. تعد المسؤولية من التعاليم البوذية أيضاً، وفي سياق أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، فإنها تتطلب آليات قانونية وسياسية إضافة إلى استقلال من حيث الصلاحيات. هذه المكونات ضرورية لتحقيق نجاح أي هيكلية إرشادية لأخلاق الذكاء الاصطناعي بالشكل الفعال.

أيضاً، من المفاهيم الأساسية للبوذية: التعاطف، أو الرغبة في الالتزام بالقضاء على المعاناة لدى الآخرين. كما أن التعاطف يتطلب تهذيب النفس أيضاً، وهذا معناه أن الأفعال المؤذية -مثل استخدام الشخص لسلطته في قمع الآخرين- مرفوضة بالنسبة للأخلاقيات البوذية. ليس على الشخص أن يكون راهباً بوذياً لممارسة الأخلاقيات البوذية، ولكنه يجب أن يمارس تهذيب النفس والتعاطف في الحياة اليومية.

يمكننا أن نرى بأن هذه القيم التي تروج لها البوذية، بما فيها المسؤولية والعدالة والتعاطف، تتطابق إلى حد كبير مع القيم التي نجدها ضمن أي أخلاقيات تقليدية أخرى. وهو أمر متوقع، فنحن جميعاً بشر في نهاية المطاف. أما الفرق فهو أن البوذية تقدم حججاً مختلفة لهذه القيم، وتركز بدرجة أكبر ربما على تهذيب النفس.

تتضمن البوذية الكثير من الأفكار المفيدة لمن يفكرون في مسائل الاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي. وأعتقد أن هذا ينطبق أيضاً على الكثير من الأنظمة الأخلاقية اللاغربية الأخرى. يجب على إرشادات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي أن تستمد أسسها وأفكارها من التنوع الفكري الغني للثقافات المتعددة في العالم حتى تعكس تنوعاً أكبر في التقاليد والأفكار حول التعامل مع المعضلات الأخلاقية. وهذا لن يؤدي إلا إلى مستقبل أفضل للتكنولوجيا.

سوراج هونجلاداروم أستاذ فلسفة في مركز العلوم والتكنولوجيا والمجتمع في جامعة تشولالونجكورن في بانكوك بتايلاند.


شارك