Article image
مصدر الصورة: أسوشييتد برس



قد تلجأ البنوك المركزية في بعض الدول لإصدار عملاتٍ رقمية من أجل معالجة بعض المشاكل، غير أنَّ هذه المشاكل غيرُ موجودةٍ في الولايات المتحدة الأميركية.

يعتقد جيروم باول، رئيس مجلس البنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي، أنَّ الدولار الرقمي هو حلٌّ لمشكلةٍ غير موجودة، على الأقلِّ في الولايات المتحدة. وقد قال باول، في خطابٍ له موجَّهٍ إلى عضوَين في مجلس الشيوخ الأميركي منذ فترةٍ وجيزة، إنه في حين أنَّ العملات الرقمية الخاصة بالبنوك المركزية قد توفِّر فوائدَ في بعض الحالات حول العالم، فإنه من غير الواضح ما إذا كانت هذه الفوائد المُحتَملة “تحمل أهميةً كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة” أم لا.

وأضاف باول: “بشكلٍ عام، نلاحظ أنَّ العوامل التي تجعل من تطوير عملاتٍ رقمية خاصة بالبنوك المركزية مسألةً مُلحة وعاجلة بالنسبة لبعض الدول، تختلف عن تلك الموجودة في الولايات المتحدة”. وقد جاء كلام باول خلال ردّه على خطابٍ أرسله إليه المُشرِّعان الأميركيان في الشهر الماضي؛ حيث طرحا فيه عدداً من الأسئلة، بما فيها السؤال عما إذا كان الاحتياطي الفدرالي يفكر في إصدار نسخةٍ رقمية من الدولار الأميركي أم لا.

ما هي هذه العوامل بالضبط؟ يشير باول إلى أنَّ بعض الدول قد تدرس إصدار عملاتٍ رقمية خاصة بالبنوك المركزية لأنها تشهد “استغناءاً سريعاً للمستهلكين عن استخدام العملات النقدية”. وهذا الأمر يُقلق محافظي البنوك المركزية لأنَّ الحكوماتِ تحافظ على حضورٍ مباشر في سوق مدفوعات المستهلكين من خلال توفيرها للعملات النقدية الورقية والمعدنية. وتتركز مخاوفهم في أن ترك هذا المجال تحت التصرف الكامل للشركات الخاصة سيؤدي إلى ظهور مخاطرَ جديدة على الأفراد والاقتصاد.

لكن في الولايات المتحدة، فإنَّ الطلب على العملات النقدية “ما زال قوياً”، بحسب ما أورد باول في خطابه. ففي عام 2018، قام المستهلكون باستخدام العملات النقدية في 26% من عمليات الدفع؛ منخفضةً بذلك أربعَ نقاطٍ مئوية عن العام الماضي. (لقد شكَّلت عمليات الدفع باستخدام كلٍّ من بطاقات السحب والائتمان ما نسبته 28% و23% على التوالي).

ويضيف باول أنَّ أحد الأسباب الأخرى التي دفعت ببعض الدول إلى دراسة إصدار العملات الرقمية الخاصة بالبنوك المركزية يكمن في افتقارها إلى “خدماتِ دفعٍ رقمي موثوقةٍ وسريعة”، لكن “في الولايات المتحدة، فإنَّ مجالاتِ الدفع مُبتكَرةٌ وتنافسية للغاية، حيث تتوافر خياراتٌ كثيرة من هذه الخدمات أمام المستهلكين”.

و من الإنصاف ألَّا نتفق مع باول في بعض المسائل التي ساقها في خطابه. في الحقيقة، لقد تلقَّى بالفعل بعض المعارضة من داخل البنك الاحتياطي الفدرالي الذي يديره هو بالذات؛ إذ إنه على عكس العديد من الدول في مختلف أنحاء العالم، فإن الولايات المتحدة تفتقر إلى نظامٍ متاح على نطاقٍ واسع لتنفيذ عمليات الدفع من بنكٍ لآخر في الزمن الحقيقي. وقد يستغرق النظام الحالي للبنك الاحتياطي الفدرالي عدةَ أيام لمعالجة عمليات الدفع وتسويتها، كما أنه يُغلق في عطلات نهاية الأسبوع. وعلى الرغم من قيام مجموعةٍ من البنوك التجارية الكبرى بإنشاء منصة دفعٍ إلكتروني في الزمن الحقيقي، فإن هذه الخدمة لا تزال غيرَ متاحةٍ أمام العديد من البنوك الأصغر في مختلف أرجاء الولايات المتحدة. ولهذا السبب بالذات، قرر البنك الاحتياطي الفدرالي بناءَ منصةٍ عامة جديدة، بحسب تعبير محافظِ هذا البنك لايل برينارد عندما تم كشف الستار عن المشروع في أغسطس الماضي. ويسمى هذا المشروع فيدناو FedNow، ومن غير المتوقع أن يكون جاهزاً قبل عام 2023 أو 2024.

إنَّ الأمور تتغير بسرعةٍ في عالم التكنولوجيا المالية؛ حيث من الممكن أن تكون تكنولوجيا الدفع الرقمي الأكثر تطوراً بعد 4 سنوات من الآن مشابهةً إلى حدٍّ كبير للعملات الرقمية المستخدمة اليوم. ولكن حتى لو أراد الاحتياطي الفدرالي إصدارَ عملةٍ رقمية في مرحلةٍ ما في المستقبل، فلا بدَّ من التعامل مع بعض المسائل الهامة أولاً، التي يطرح باول بعضَها من خلال الأسئلة التالية: هل سيتم إلزام تجار التجزئة بقبول هذه العملة الرقمية؟ وكيف ستؤثر على الاستقرار المالي؟ وما هي المخاطر الأمنية المرتبطة بها؟ وإذا كان النظام مصمماً للكشف عن الأنشطة غير المشروعة، فما درجة الخصوصية التي يتمتع بها؟ وهل ينبغي على البنك المركزي فتح حساباتٍ لملايين المستهلكين العاديين؟

ومن الجدير بالملاحظة هو غياب الصين تماماً عن الذكر في خطاب باول. فإن منصتي الدفع الرقمي الخاصتين في الصين (ويتشات باي، وعلي باي) قد أصبحتا واسعتَي الانتشار وموجودتين في كلِّ مكان، كما أنهما قد توسعتا وانتشر استخدامُهما في العديد من الدول الأخرى. كما تقول الصين إنها “على وشك” إطلاق عملةٍ رقمية سيادية، مما سيجعل منها أولَ الاقتصادات الكبرى في القيام بهذا الأمر. ويقول مسؤولون من بنك الصين الشعبي أن العملة المزمعة ستكون متوافقةً مع منصتي ويتشات باي وعلي باي، ويتوقع البعض أن تقوم الصين بالترويج للنسخة الرقمية من عملتها اليوان باعتبارها عملةً احتياطية عالمية. وحالياً يُعتبر الدولار الأميركي هو العملة الاحتياطية الأساسية في العالم.

ورغم أن الدولار الرقمي قد لا يبصر النورَ قريباً، لكن من الواضح أن الاحتياطي الفدرالي يولي اهتماماً وثيقاً للمستجدات في مجال العملات الرقمية؛ حيث يقول باول إن البنك يدقِّق عن كثبٍ في عملة فيسبوك الرقمية المقترحة، والمسماة ليبرا. ويضيف: “إننا نعكف على إجراء أبحاثنا الخاصة، بما فيها إجراء تجاربَ بحثيةٍ تكنولوجية على نطاقٍ صغير بهدف مراكمة خبرةٍ عملية في هذا المجال. وهذه الجهود تؤهِّل الاحتياطي الفدرالي ليغدو قادراً على الاستجابة بشكلٍ سريع للتطورات الحثيثة في هذه المجال”.


شارك



محرر مشارك