X
Article image
ذبابة الفاكهة.
مصدر الصورة: محمد نوزراث من بيكساباي
Article image

ذبابة الفاكهة.

مصدر الصورة: محمد نوزراث من بيكساباي

علوم الحياة حب

من المرجح أن يُغيّر هذا الاختبار الجديد الطريقةَ التي كان يقيس بها علماء الأعصاب مستوى الوعي.

من الشائع والمعروف في الأوساط العلمية وغيرها أن قياس مستويات الوعي عملية صعبة؛ إذ تتمثل القاعدة الذهبية لهذا المجال في دراسة صور الرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ أثناء تلقي صاحب الدماغ أنواعاً مختلفة من المُحفِّزات، كالإيعاز له بأن يفكر في لعب التنس على سبيل المثال، حيث يغيّر هذا التفكير أنماط النشاط في المخ بطريقة يُمكن قياسها.

إلا أن أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي ضخمة الحجم ومكلّفة من ناحية الثمن، والفحوصات بواسطتها صعبة الإجراء، لا سيما إن كان المرضى يعانون من غيبوبة أو كانوا في أدنى حالة من الوعي. ومع ذلك، هناك خيار آخر يتمثل في قياس النشاط الكهربائي للمخ باستخدام فحوصات مخطط كهربائية الدماغ (EEG). وهو خيار سهل الأداء، إلا أنه يتعين قبل ذلك على علماء الأعصاب أن يتفقوا على “علامة واضحة” للوعي ضمن تلك الإشارات.

وهنا تبرز الحاجة الماسّة إلى قياس ما يعرف باسم “تيقظ الوعي”.

وحول هذه النقطة، يتمحور عمل روبيرتو مونيوز من جامعة موناش بأستراليا وعدد من زملائه؛ حيث اكتشف هؤلاء الباحثون طريقة لقياس مستوى “تيقظ الوعي” في ذباب الفاكهة مستخدمين تعقد الإشارات التي ينتجها الدماغ، إذ أتاحت لهم التقنية التي ابتكروها معرفة الذباب الذي خُدِّر من الذباب الذي لم يُخدّر بمجرد النظر إلى إشارات أدمغتها.

وتوفّر هذه الدراسة الجديدة طريقة موضوعية لقياس مدى “تيقظ الوعي”، بناءً على أفكار مُحكمة علمياً ومستمدة من مجال نظرية التعقيد. وحريّ بالذكر أن هذه التقنية قد تنطبق على البشر أيضاً، كما أن هذه الدراسة تعكس الاهتمام المتنامي بالنظريات التجريبية الجديدة، والقابلة للاختبار العمليّ بشأن الوعي. ولنذكر أولاً بعض المعلومات الأساسية.

يتمثل أحد أهم الاكتشافات الثورية في مجال دراسة الوعي خلال السنوات الأخيرة في نظرية تُعرف باسم: “نظرية المعلومات المتكاملة”. وقد طور هذه النظرية عالمُ الأعصاب جوليو تونيني، وهي تقوم على فكرة أن أي منظومة وعي لا بد أن تضم صفتين مميزتين.

تتمثل الأولى في معالجة تلك المنظومة لكميات كبيرة من المعلومات، فيما تكمن الثانية في اندماج تلك المعلومات في “كُليّة واحدة” لا يمكن تحليلها إلى أجزاء منفصلة أو مستقلة. وهذا ما يعني -وفق النظرية- أن كل لحظة من لحظات الوعي تمثل “وَحدة كلّية” لا تتجزأ؛ ولذلك فإن النظرية تَعتبرُ الوعيَ ظاهرةً معلوماتية ذات خصائص مُميزة.

نشاط دماغ ذبابة الفاكهة.

وبهذا الصدد، تكمن إحدى أهم مزايا النظرية في إفساح المجال للتحليل الرياضيّ. وهذا هو ما أتاح لعلماء الفيزياء، مثل ماكس تغمارك من جامعة إم آي تي، تطويرَ نماذج رياضية لنظرية المعلومات المتكاملة بحيث تُنتج توقعات يمكن اختبارها وتكون صالحة للتطبيق -بعد تعديلها- على مجموعات البيانات العلمية الموجودة سلفاً.

وعلى سبيل المثال، تتوقع النظرية أن المعلومات المرتبطة بتيقظ الوعي لا بد أن تتمتع بمستوى معين من “التعقيد”. وبالتالي يمكننا اعتبار مستوى تعقيد المعلومات التي ينتجها الوعي المُراد قياسه معياراً لتيقظ الوعي.

وعلى الرغم من جاذبية هذه النظرية إلا أن هناك مشكلة؛ حيث إن المعلومات المتعلقة بتيقظ الوعي مرتبطة بوضوح بالعديد من الأجزاء المختلفة للدماغ، مما يعني أن قياس هذه “المعلومات المتكاملة” مهمة صعبة.

ومع ذلك هناك مقاربة أبسط تتمثل في تفحص “تدفق المعلومات” المنبثق من أجزاء محددة في الدماغ، ومن ثَم قياس مستوى تعقيد السلاسل الزمنية (سلسلة متغيرات مأخوذة على فترات زمنية منتظمة) التي تنتجها تلك الأجزاء. وبما أن تلك السلاسل الزمنية مرتبطة بالآليات التي تدمج المعلومات في الدماغ، فمن المفترض أن تقدم تلك السلاسل بعضَ المعلومات المفيدة عن مستوى الوعي الكامن وراءها.

أو على الأقل هذا ما تفترضه النظرية. وفي ظل السعي للتحقق من الجدوى العملية لها، دَرَسَ مونيوز وزملاؤه إشارات الدماغ التي تنتجها 13 ذبابة فاكهة في كلّ من حالة الوعي وفي حالة التخدير، وبعد ذلك درسوا تلك الإشارات لرؤية مستوى تعقيدها.

وكما هو متوقع، أسفر هذا البحث عن نتائج جديرة بالاهتمام. ويشرح الباحثون ذلك بقولهم “لقد وجدنا أن متوسط التعقيد الإحصائي عندما تكون الذبابة واعية أكبر منه عندما تخضع نفسُ الذبابة للتخدير”.

وهذه نتيجة هامة لأنها تمهّد الطريق أمام طريقة موثوقة لتحديد مستوى “تيقظ الوعي” باستخدام بيانات من مصدرٍ واحد فقط، بدلاً من أن تُستَقَى من عدة مصادر مختلفة من البيانات. كما تشير هذه النتيجة أيضاً إلى وجود علامة واضحة على مستوى “تيقظ الوعي” لا تعتمد على محفز خارجي محدد.

ومن هنا ندرك أن هذه الدراسة اللافتة للنظر تفتح الباب أمام إمكانية إنجاز المزيد من الدراسات الأكثر تفصيلاً حول الموضوع مستقبلاً. فمن المحتمل -مثلاً- أن توفّر البيانات المستقاة من مصدر واحد المزيد من المعلومات المفيدة حول طبيعة الوعي ذاته. ويفسر هذا الباحث مونيوز وزملاؤه بقولهم: “من الممكن لتطبيق هذه الطريقة في التحليل على مجموعة بيانات أخرى -لا سيما مخططات كهربائية الدماغ البشرية- أن يؤدي إلى اكتشافات جديدة فيما يخصّ العلاقة ما بين الوعي ومفهوم التعقيد”.

ويذكر أن “الوعي” -وحتى وقت قريبٍ- كان موضوعاً محظوراً لدى الباحثين والعلماء بسبب التصور السائد بأنه غير قابل للقياس علمياً، لكن هذه الدراسة الجديدة تشير إلى نشوء ميلٍ جديد من الاهتمام والحماسة العلمية في استكشاف الوعي وفق فرضيات قابلة للاختبار وملاحظات علمية يمكن تكرارها. وهذا ما يشوقنا لمطالعة الدراسات المقبلة التي ستُنجَز حول الموضوع.

المرجع: arxiv.org/abs/1905.13173:
التمييز ما بين حالات تيقظ الوعي باستخدام التعقيد الإحصائي

المزيد من المقالات حول الصحة

  1. Article image
  2. Article image
  3. Article image
error: Content is protected !!