Article image
مصدر الصورة: إم أس تيك



ستحدد نتيجة المسح العشري طابع حقبة جديدة من الاستكشاف الفضائي. ويرغب فريقنا البحثي في إجراء المسح باستخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالأولويات العلمية التي ستنمو بسرعة

2021-09-28 17:21:27

27 سبتمبر 2021

في كل عشر سنوات، يجب على الفلكيين الأميركيين اتخاذ بعض القرارات الصعبة. تُلخص هذه القرارات في خطة تحمل اسم المسح العشري للفلك والفيزياء الفلكية، وهو عبارة عن مجموعة من الدراسات التي تقدمها الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب، وهذه القرارات ستحدد الأولويات العلمية لهذا المجال خلال العقد المقبل.

لقد هيأ المسح العشري الأجواء المناسبة للقفزات الكبيرة في مجال الاستكشاف الفضائي منذ بداية ستينيات القرن الماضي. ومن المتوقع أن يصدر التقرير السابع، الذي يحمل اسم أسترو 2020، في نهاية هذا الشهر. وتعتمد الأوساط العلمية، والمؤسسات التي تقدم التمويل، وحتى الكونجرس، على هذه التقرير لاتخاذ القرارات حول كيفية توجيه الاستثمار في الوقت والمال.

فقد أعلنت تقارير سابقة عن مشاريع ضخمة، بما فيها بناء وإطلاق تلسكوبات فضائية ضخمة، ودراسة الظواهر عالية التأثير مثل المستعرات العظمى والثقوب السوداء. بل إن التقرير السابق، الذي يحمل اسم أسترو 2010، تحدث عن طبيعة الطاقة المظلمة.

وبما أن المسح العشري يمثل دراسة جماعية، يجب على الباحثين الذين يرغبون في أخذ مشاريعهم بعين الاعتبار تقديم مقترحاتهم مسبقاً قبل أكثر من سنة. تخضع جميع العروض للدراسة، كما أنها متاحة جميعاً (بعدد يفوق 500 عرض هذه المرة) للعامة.

وفي هذه السنة، تتراوح المواضيع قيد النقاش من استكشاف أقمار المشتري إلى صياغة استراتيجيات للدفاع عن الكوكب ضد أحداث يمكن أن تقع مرة كل ألف سنة، مثل مرور الكويكب الضخم أبوفيس قرب الأرض. كما يرغب باحثون آخرون بالتعمق في دراسة الأرض نفسها.

تتلقى لجنة المسح المعلومات والآراء والتقييمات من مجموعة لجان فرعية، وتأخذ بعين الاعتبار كمية كبيرة جداً من المعلومات لوضع الاستراتيجيات البحثية. وعلى الرغم من أن الأكاديميات لن تقدم توصيات اللجنة النهائية إلى ناسا قبل بضعة أسابيع إضافية، فإن العلماء تواقون لمعرفة التساؤلات العلمية التي ستحظى بالاهتمام، وتلك التي ستوضع جانباً في الوقت الحالي. 

يقول برانت روبرتسون، أستاذ الفلك والفيزياء الفلكية في جامعة كاليفورنيا سانتا كروز: “يلعب المسح العشري دوراً مهماً في مساعدة ناسا على اتخاذ القرارات بشأن قيادة الاستكشاف البشري للفضاء، ولهذا فإن حصولهم على جميع المعلومات الممكنة أمر هام للغاية”. 

يرغب فريق من الباحثين باستخدام الذكاء الاصطناعي لجعل هذه العملية أكثر سهولة. ولا يتمحور اقتراحهم حول بعثة فضائية معينة أو مسألة محددة للدراسة، بل إنهم يهدفون، كما يقولون، إلى استخدام نظام الذكاء الاصطناعي الخاص بهم لمساعدة العلماء على اتخاذ القرارات الصعبة حول توزيع الأولويات على العروض والمقترحات.

وتقوم الفكرة على تدريب الذكاء الاصطناعي على تحديد المجالات البحثية التي تنمو أو تتراجع بسرعة، بحيث يتحول إلى أداة يمكن أن تسهل على لجان المسح اتخاذ القرارات حول القائمة النهائية.

يقول هارلي ثرونسون، وهو عالم رئيسي متقاعد كان يعمل في مركز جودارد للتحليق الفضائي الذي يتبع لناسا، والمؤلف الأساسي لهذا المقترح: “ما نريده هو بناء نظام يقوم بكمية كبيرة من العمل المطلوب في المسح العشري، ويسمح للعلماء العاملين في المسح العشري بالتركيز على المهام التي يتقنونها بالفعل”.

وعلى الرغم من أن أعضاء اللجان مختارون وفقاً لخبرتهم في مجالاتهم الخاصة، فإنه يستحيل على كل عضو من هذه اللجان فهم جميع تفاصيل المقترحات والتوجهات العلمية بالكامل. لقد شهد عدد المنشورات في مجال الفيزياء الفلكية ارتفاعاً سنوياً بنسبة 5%، وفقاً للمؤلفين. ما يعني عدداً كبيراً للغاية يصعب على أي شخص استيعابه منفرداً.

وهنا يأتي دور نظام الذكاء الاصطناعي الذي تحدث عنه ثرونسون.

احتاج فريق ثرونسون إلى أكثر من سنة لبناء هذا النظام، ولكن في نهاية المطاف، تمكن الفريق من تدريبه على أكثر من 400,000 بحث علمي تم نشره في هذا العقد وصولاً إلى مسح أسترو 2010. كما تمكن الفريق أيضاً من تعليم الذكاء الاصطناعي كيفية تفحص الآلاف من فقرات الملخص الأولي في الأبحاث لتحديد المجالات عالية التأثير ومنخفضة التأثير، وذلك بالاعتماد على جمل تعبر عن المواضيع ببضع كلمات مثل “نظام كوكبي” أو “كوكب خارج النظام الشمسي”.

ووفقاً لتقرير الباحثين، فقد نجح نظام الذكاء الاصطناعي في تحديد ستة توجهات بحثية واسعة الانتشار في السنوات العشر الماضية بطريقة “التنبؤ الارتجاعي”، بما فيها تصاعد سريع للغاية في أبحاث الكواكب الخارجية ورصد المجرات.

يقول ثرونسون: “من أهم تحديات الذكاء الاصطناعي هو قدرته على التنبؤ بالأشياء أو إنتاجها أو تحليلها بشكل مفاجئ تماماً للبشر”. ويضيف: “هو أمر شهدناه مرات عديدة”. 

يعتقد ثرونسون وزملاؤه أن اللجنة الرئيسية يجب أن تستخدم هذا النظام لمساعدتها على دراسة وتلخيص الكميات الهائلة من النصوص التي يجب أن تتعامل معها، تاركة للخبراء البشر مهمة اتخاذ القرار النهائي.

لا يمثل هذا البحث أول محاولة لاستخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل المنشورات العلمية وتوجيهها. فقد استُخدمت أنظمة ذكاء اصطناعي أخرى لمساعدة العلماء على تحكيم أبحاث زملائهم.

ولكن، هل يمكن أن نثق بالذكاء الاصطناعي للعب دور أساسي في عمل مهم ومؤثر مثل المسح العشري؟ 

يعترف روبرتسون من جامعة كاليفورنيا سانتا كروز بضرورة ترتيب الكميات الهائلة من الأبحاث الفلكية بطريقة ما. ولكنه من جهة أخرى يقول إنه من المبكر الجزم بإمكانية اعتماد العلماء فعلياً على شيء كهذا، على الرغم من أن هذه الفكرة القائمة على استخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة على تنفيذ المسح العشري مثيرة للاهتمام.

ويقول: “أعتقد أنه توجد محاذير مهمة يجب أن نأخذها بعين الاعتبار عند دراسة إمكانية الاستفادة من التعلم الآلي”. ومن أكبر المشكلات المتعلقة بأي نظام ذكاء اصطناعي هي مدى استيعاب البشر لخوارزمياته ونتائجها. وفي هذه الحالة، هل يستطيع الفريق تحديد سبب اتخاذ نظام الذكاء الاصطناعي لقرار معين عند الاختيار بين مجالين منفصلين ولكنهما في نفس الوقت متشابهان؟

وكيف يمكن للبشر التوصل إلى نفس الاستنتاج؟ 

يقول روبرتسون: “بوصفنا علماء، فإننا نبني سمعتنا ونطورها على أساس دقة عملنا وصحته”. “ولهذا، أعتقد أنه من المنطقي للبشر تطبيق نفس المعايير على النتائج التي يحصلون عليها من هذه الخوارزميات المعقدة للتعلم الآلي”. 

لم يحاول ثرونسون وفريقه بعد توقع نتائج المسح لهذه السنة. وبدلاً من هذا، فهم يركزون على تحديد المجالات المهمة الجديدة في علم الفلك.

من المرجح أن الأدوات المؤتمتة لن تُستخدم في عمليات المسح العشري لبعض الوقت. ومع ذلك، إذا قررت لجنة المسح إدماج الذكاء الاصطناعي في عملها، فسوف يمثل هذا طريقة جديدة يعتمدها العلماء للتوصل إلى التوافق حول أهدافهم العلمية.

ولكن، في الوقت الحالي، يجب على ثرونسون وروبرتسون والآلاف من الفلكيين الآخرين انتظار ما سيحدث، وفقاً للطريقة القديمة والمجربة.