Article image
مصدر الصورة: ويلكم كولكشن



تزعم إحدى الشركات أن إنتاج نمط ضعيف من فيروس كورونا يمكنه أن يقضي على كوفيد-19.

2020-09-22 19:35:30

22 سبتمبر 2020

في الخمسينيات من القرن الماضي، كان ألبرت سابين يبحث عن لقاح أفضل لشلل الأطفال. وللوصول إلى هذا الهدف، قام مختبره بنقل الفيروس المسبب للمرض إلى أدمغة الفئران والشمبانزي والقردة؛ حيث أرادوا معرفة ما إذا كان العامل الممرض سيتغير وما إذا كان من المحتمل ظهور أنماط ضعيفة منه.

قام الباحثون في النهاية بعزل أنماط من فيروس شلل الأطفال لا تزال لديها القدرة على إصابة الناس بالعدوى، لكنها لا تسبب حدوث الشلل. أصبحت تلك السلالات، التي توصّل إليها سابين وتوصف بأنها ضعيفة، هي لقاح شلل الأطفال الفموي الشهير الذي يُعطى على شكل مكعبات سكر لمليارات الأطفال.

والآن، يقول الباحثون إن البيولوجيا التركيبية أدت إلى طريقة لإنتاج نمط ضعيف من فيروس كورونا الوبائي الذي يسبب مرض كوفيد-19. وعلى الرغم من أن الفكرة لا تزال بعيدة المنال في سباق اللقاحات، إلا أنه يمكن تركيب فيروس كورونا الضعيف على شكل قطرات أنفية غير مكلفة لاستخدامها في جميع أنحاء العالم.

تعمل الشركة الناشئة التي تقف وراء النمط الجديد من فيروس كورونا، والتي تسمى كوداجينيكس (Codagenix)، مع شركة سيروم إنستيتيوت أوف إنديا (Serum Institute of India)، التي يقع مقرها في مدينة بونا الهندية وتعتبر نفسها أكبر شركة مصنّعة للقاحات في العالم. هناك خطط ليقوم أوائل المتطوعين بأخذ الفيروس المصمم بشكل اصطناعي عن طريق الأنف ابتداءً من شهر نوفمبر، وذلك ضمن اختبارات السلامة البشرية الأولية في المملكة المتحدة.

من الجدير بالذكر أن لقاحات كورونا المحتملة الأكثر تقدماً، بما فيها لقاحات شركة أسترازينيكا وشركة موديرنا للصناعات الدوائية، تعرّض الشخص لأحد أجزاء الفيروس فقط، وهي “الأجزاء الناتئة” التي لها شكل التاج وتُعطي الفيروس اسمه باللغة الإنجليزية، وذلك من أجل إنتاج الأجسام المضادة.

تتمثل الميزة المحتملة للقاح الذي يعتمد على سلالة حية ضعيفة في أن الجسم سيواجه الفيروس بأكمله وسيكون قادراً على الاستجابة له. سيتعرض الناس “للإصابة” به عن طريق الأنف، وسينمو داخل أجسامهم. من الناحية النظرية، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تشكيل الأجسام المضادة بالإضافة إلى الخلايا التائية وأنماط المناعة المتخصصة في الممرات الأنفية، ما يؤدي إلى حماية أشمل.

قد يبدو من المخيف أن نتخيل الإصابة بفيروس كورونا بشكل متعمد، لكن لقاحات الفيروسات الضعيفة شائعة؛ إذ إن لقاح الإنفلونزا فلوميست (FluMist) المخصص للأطفال يحتوي على فيروس أنفلونزا ضعيف. وتبيع شركة سيروم إنستيتيوت 750 ألف جرعة سنوياً من اللقاحات التي تعتمد على فيروس الحصبة الحي. كما أن مرض الجدري هو المرض الوحيد الذي تم القضاء عليه بنجاح من العالم، وتم ذلك باستخدام لقاحات تحتوي على فيروس حي.

يقول راجيف ديري، أحد المديرين في شركة سيروم إنستيتيوت: “عند الرغبة في تحقيق الاستجابة المناعية الكاملة، فلا بدّ من محاكاة مسار المرض. ولا يمكن القيام بذلك إلا بلقاح حي ضعيف”.

إعادة تشكيل الفيروس

في الماضي، كان العثور على سلالة ضعيفة لاستخدامها كلقاح عملية شاقة، كما يقول ستانلي بلوتكين، الذي يقدم استشارات لشركة كوداجينيكس وشارك في أولى دراسات شلل الأطفال؛ وذلك لأن الأمر كان يتم عن طريق زرع فيروس في خلايا من أنواع أخرى وانتظار ظهور سلالة أضعف بالصدفة. وقد يستغرق ذلك 10 سنوات أو 20 سنة. وقد لا يتم العثور على سلالة ذات سلوك مناسب في بعض الأحيان.

ظهرت طريقة معقولة جديدة في عام 2002. وذلك عندما تسبب إيكارد فيمر، عالم الفيروسات بجامعة ستوني بروك، في إحداث ضجة كبيرة من خلال إنتاج فيروس شلل الأطفال المُعدي بالاعتماد على التعليمات الجينية فقط. وكان ذلك “أول إنتاج للحياة في أنبوب اختبار”، وفقاً لعناوين الصحف، وبمثابة تهديد إرهابي بيولوجي محتمل أيضاً.

وصف البعض ما قام به فيمر بأنه غير مسؤول. لكن تقنية إنتاج الفيروسات من البيانات تتيح أيضاً للباحثين أن يكونوا مبدعين؛ لأن هذه العملية تسمح لهم بإعادة كتابة الجينات الفيروسية بأي طريقة يريدونها. يقول فارين آيزاكس، عالم البيولوجيا في جامعة ييل: “هنا يأتي دور البيولوجيا التركيبية وتعديل الجينوم؛ إذ يمكن اختصار فترة التطور، التي كان يستغرق حدوثها سنوات، إلى أيام. لسوء الحظ، فإن الجائحة تخلق فرصة لهذه التقنية”.

وبدلاً من إنتاج فيروسات خطيرة، بدأ منذ عام 2008 كل من فيمر وجي روبرت كولمان، الذي أصبح فيما بعد أحد أعضاء فريق مختبره والمدير التنفيذي الحالي لشركة كوداجينيكس، بإظهار كيف يمكنهما استخدام البيولوجيا التركيبية لتصميم أنماط ضعيفة من فيروس شلل الأطفال باستخدام إستراتيجية أطلقا عليها اسم “الهندسة التركيبية للفيروسات الضعيفة” أو بشكل مجازي: “لا يحدث الموت إلا بعدد كبير من الإصابات”.

لفهم كيفية قيامهما بذلك، من الضروري معرفة أن الجينات تعمل باستخدام شيفرة مكوّنة من ثلاثة أحرف. لصنع البروتينات، تنظر الخلية إلى هذه “الكودونات” المكوّنة من ثلاثة أحرف لتحديد الحمض الأميني الذي يجب إضافته إلى جانب البروتين الذي تقوم ببنائه. ولكن اتضح وجود فائض في الشيفرة الجينية؛ إذ أن هناك 64 كودوناً يمكن صياغتها وفق الأحرف الجينية، ولكن لا يوجد سوى 20 حمضاً أمينياً لصنعه. على سبيل المثال، تقوم أربعة كودونات بتشفير نفس الحمض الأميني الذي يدعى سيرين.

كما أن الطريقة التي تعامل بها التطور مع هذا الفائض تعدّ مهمة أيضاً؛ حيث تعتمد كل أشكال الحياة على نفس الأسس، ولكن اعتماداً على كون الكائن الحي من البكتيريا أو البشر أو نجوم البحر، فسوف يكون لديه تفضيل لاستخدام كودونات معينة أو أزواج من الكودونات.

من المتوقع أن الفيروسات، التي تستولي على الخلايا لنسخ بروتيناتها، قد طوّرت تفضيلاً لنفس الكودونات التي تفضلها الخلايا البشرية. ولكن يمكن عكس اختيارات التطور في المختبر، وذلك في عملية تطلق عليها شركة كوداجينيكس اسم “إبطال الحالة المثلى”. ويقول كولمان إن الشركة أنتجت أنماطاً من فيروس كورونا تحتوي جيناتها على 240 طفرة تمنحها بعضاً من أسوأ الكودونات من حيث الأداء.

والنتيجة هي أن الفيروس المصمم يبدو بشكل مماثل تماماً من الخارج ولكن يوجد داخله “مكابح افتراضية”، ما يجعله يتكاثر بسرعة أقل بكثير. يمكن لفيروس كورونا عادةً أن يصنع 100 مليون نسخة من نفسه داخل خلية في يوم واحد تقريباً، لكن كولمان يقول إن النمط الذي تم إبطال حالته المثلى من شأنه أن ينسخ نفسه بمقدار النصف في المختبر. وداخل جسم الإنسان، يمكن أن يكون أقل كفاءة بمعدّل يصل إلى 1000 مرة، ما يمنح الجهاز المناعي وقتاً للاستجابة.

لا يرى بعض العلماء دوراً للقاح الحي في المعركة ضد فيروس كورونا. يقول مايكل فارزان، أحد المتخصصين في معهد سكريبس للأبحاث: “هذا الفيروس غبي ومن السهل إعطاء لقاح له”. ويقول بأن الفيروس يكشف أهم نقطة من نقاط ضعفه، وهي البروتينات الناتئة، وذلك بطريقة تجعله هدفاً جاهزاً للأجسام المضادة، التي يمكن أن تولّدها اللقاحات الأخرى. ويضيف: “لا توجد حاجة إلى فيروسات حية ضعيفة إلا عندما لا يكون هناك فيروس أكثر أماناً. من شأن هذه الحالة أن تؤدي إلى مخاطرة غير ضرورية؛ فليست هناك حاجة لوجود فيروس حي يتكاثر بداخلك”.

تعمل شركة سيروم إنستيتيوت، التي تبيع اللقاحات في البلدان النامية في الغالب، على تصنيع أربعة لقاحات محتملة لفيروس كورونا، بما فيها اللقاحين الأوفر حظاً من جامعة أكسفورد وشركة نوفافاكس الأميركية للتكنولوجيا الحيوية. قطعت تلك اللقاحات مراحل متقدمة من الاختبارات، ولكن ليس هناك ما يضمن نجاحها، وقد يكون هناك نقص في الإمدادات.

يصف ديري اللقاح الحي بأنه خطة احتياطية لشركة سيروم إنستيتيوت. يتم تصنيع هذه اللقاحات باستخدام تقنية قديمة ومعروفة تماماً، ويمكن إعطاؤها دون حقن. ويقول: “حقق لقاح شلل الأطفال الفموي نجاحاً كبيراً في جميع أنحاء العالم لأنه يُعطى على شكل بضع قطرات في فم الطفل. ليست هناك حاجة إلى الكثير من المعدات الطبية.  لذلك شعرنا أنه أثناء الجائحة، فإن أبسط نمط من اللقاح هو الذي يمكنه أن يصل إلى مليارات الجرعات. وعندما يتعلق الأمر بالمستويات الضخمة، نعتقد أن أفضل طريقة هي من خلال الأنف”.

مخاطر عودة الفيروس إلى نمطه الأصلي

ما هي المخاطر؟ لا يزال بإمكان الفيروس الضعيف أن يكون خطيراً على الأشخاص الذين يعانون من ضعف جهاز المناعة. الخطر الآخر هو أن الفيروس الضعيف يمكن أن “يعود” إلى شكله الأكثر خطورة، يقول كولمان: “نتلقى دائماً السؤال عما إذا كان سيعود”.

يحدث ذلك مع فيروس شلل الأطفال؛ ففي العقود الأخيرة، تسببت سلالات اللقاح في حدوث جائحات بشكل أكبر من الفيروسات الفعلية. ووفقاً لبلوتكين، يعود ذلك إلى أن ما يميّز لقاح سابين عن فيروس شلل الأطفال الفعلي هو الطفرات “القليلة نسبياً” فقط، ويمكن للفيروس الضعيف (الذي يتكاثر داخل أجسام البشر وينتشر بينهم حتى) أن يتعرض لطفرات تعيده في النهاية إلى شكله الأصلي.

وعلى النقيض من ذلك، فإن فيروس كورونا “الذي تم إبطال حالته المثلى” يحتوي على عدة مئات من التغييرات الجينية. إن احتمالات أن يتمكن التطور من إيجاد طريقة لإرجاع حتى جزء صغير منها هي ضئيلة من الناحية الحسابية. يقول ديري: “أعتقد أنه مستحيل”.

وبدلاً من عودة سلالة اللقاح إلى شكلها الخطير، يقول ديري إن الخطر الأكبر هو أن يتعرّض فيروس كورونا للطفرات بطرق تجعل بعض اللقاحات أقل فعالية. لم يتغير فيروس كورونا بشكل كبير حتى الآن. وفي الواقع، فهو يعدّ مستقراً بشكل ملحوظ. ومع ذلك، إذا طرأت تغييرات على البروتين الناتئ، فإن اللقاحات الرئيسية المحتملة يمكن أن تصبح أقل فعالية لأنها تستهدف هذا الجزيء فقط.

 ولأن اللقاح الحي الضعيف يحتوي على جميع أجزاء الفيروس، فقد لا يواجه هذه المشكلة. ويقول: “لا نريد أن نصل إلى مرحلة نطارد فيها الفيروس إذا تغير”. ولكن إذا حدث ذلك، “فسيظل لدينا لقاح مماثل له بنسبة 99%”.


شارك



المحرر الرئيسي في مجال الطب الحيوي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو.