X
Article image
حقوق الصورة: مينا حنا وعبدول عبيد | جامعة ستانفورد
Article image

حقوق الصورة: مينا حنا وعبدول عبيد | جامعة ستانفورد

الآلات الذكية حب

يمكن أن تؤدي اتصالات النطاق الترددي العالي بالدماغ إلى علاج العمى والشلل واضطرابات الكلام.

ربما كان ادّعاء مات أنجل يبدو غريب الأطوار في السابق، حيث أصرّ لسنوات على أن الأساس لحلّ أحد أكثر التحدّيات المستعصية في علم الأعصاب يكمن في تقنية تعود إلى حقبة الستينيات والتي تم ابتكارها في دولة مولدوفا الصغيرة.

أصبح من الأصعب بكثير تجاهل مقاربة أنجل فيما بعد. إذ قامت وزارة الدفاع الأميركية في عام 2017 باختيار شركة أنجل الصغيرة -التي تُدعى بارادروميكس (Paradromics Inc) ومقرها في مدينة سان خوسيه- لقيادة أحد الاتحادات الستة التي قرّرت أن تدعمها بمبلغ 65 مليون دولار لتطوير تقنيات يمكنها تسجيل الإشارات الناجمة عن مليون خلية عصبية فردية داخل الدماغ البشري في وقت واحد.

ويعدّ تسجيل الإشارات من أعداد كبيرة من الخلايا العصبية أمراً ضرورياً لقيام المهندسين بإنشاء رابط بيانات سلس وعالي الإنتاجية بين الدماغ البشري وأجهزة الكمبيوتر، بما في ذلك استعادة الحواس المفقودة.

برز هذا الهدف في الأخبار بكثرة في عام 2017. ففي شهر أبريل من العام نفسه، أعلن إيلون ماسك بأنه كان يدعم شركة نيورالينك (Neuralink)، وهي شركة تبلغ قيمتها 100 مليون دولار وتعمل على تطوير جهاز يربط بين الكمبيوتر والدماغ. تلا ذلك شركة فيسبوك بقولها إنها بدأت العمل على جهاز يحوّل الأفكار إلى نصوص للسماح للناس لأن يقوموا بصمت بكتابة رسائل البريد الإلكتروني أو المنشورات.

تصدّرت هذه الإعلانات حينها عناوين الصحف في كافة أنحاء العالم، ولكنها أدّت إلى توليد الشكوك أيضاً، حيث لم يكشف ماسك ولا فيسبوك عن الكيفية التي سيتم بها إنجاز هذه الأعمال (راجع مقال ” With Neuralink, Elon Musk Promises Human-to-Human Telepathy. Don’t Believe It.”).

في ذلك الوقت، قدّمت العقود الفيدرالية التي سلّمتها وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتطورة (داربا) نظرة خاطفة على التقنيات الحديثة التي يمكن أن تجعل “مودم الدماغ” أمراً ممكن التحقيق فعلاً. وقد اشتملت على دارات مرنة يمكن وضعها على الدماغ، و “حبيبات عصبية” لاسلكية بحجم الرمل، ومجاهر ثلاثية الأبعاد لديها القدرة على رصد آلاف الخلايا العصبية في وقت واحد. كما كان هناك مشروعان آخران يهدفان إلى استعادة الرؤية من خلال صمّامات ثنائية باعثة للضوء والتي تغطي القشرة البصرية للدماغ.

تقوم الأجهزة التي تربط بين الدماغ والكمبيوتر بنقل المعلومات من الدماغ باستخدام الإلكترونيات. توضح الصورة أعلاه كيفية ارتباط الأسلاك المصغرة مع بعضها لإنشاء اتصال كهربائي. ويعدّ هذا هو الطرف الذي يبقى خارج الدماغ.
حقوق الصورة: مينا حنا وعبدول عبيد | جامعة ستانفورد

بلغت قيمة شركة بارادروميكس 18 مليون دولار، لكن هذه الأموال ترافقت مع قائمة متطلبات شبيهة بمتطلبات إطلاق مركبة فضائية إلى القمر، أي كان على الزرعة ألا تكون أكبر من القطعة المعدنية للـ 5 سنتات الأميركية، وأن تسجّل الإشارات الناجمة عن مليون خلية عصبية، وأن تكون قادرة أيضاً على إرسال الإشارات مرة أخرى إلى الدماغ.

وقال أنجل: “نحاول العثور على منطقة الاتصال الأكثر فعالية -وأعتقد بأننا وجدناها- بحيث تكون سطحية مع الحصول على أكبر قدر من المعلومات بنفس الوقت، ولكن بألا تكون بعيدة جداً لدرجة يتعذّر إجراؤها”.

وعلى الرغم من معرفة كيفية استخدام الأقطاب الكهربائية المعدنية للإصغاء إلى الإشارات الكهربائية لإحدى الخلايا العصبية منذ قرن من الزمان، إلا أن العلماء لم يتمكنوا حتى تاريخ هذه الدراسة من تسجيل الإشارات الناجمة عن أكثر من بضع مئات من الخلايا في وقت واحد في الدماغ البشري الحي، والذي يحتوي على حوالي 80 مليار خلية عصبية.

ويقول أنجل -الذي يبلغ من العمر 32 عاماً- بأنه واجه هذه المشكلة وهو طالب في الدراسات العليا. إذ أراد أن يدرس الطريقة التي يتم بها تمثيل الروائح في البصلة الشمية، وهي أحد أجزاء الدماغ وتتواجد خلف الأنف مباشرة. لكن هذه الجهود تعثّرت بسبب عدم وجود أي وسيلة لتسجيل الإشارات الناجمة عن عدد كبير من الخلايا العصبية في وقت واحد.

عندها ذكر أحد الأساتذة بجامعة هوارد -ووالد صديق جامعي قديم لأنجل- بأن هناك شركة مولدوفية غير معروفة طوّرت طريقة لتمديد اللفائف المعدنية الساخنة والمنتَجة على نطاق واسع من الأسلاك المعزولة الدقيقة جداً، أي بثخانة 20 ميكروناً فقط.

تُستخدم هذه التقنية -المشابهة لتلك التي تنتج شرائط الألياف الضوئية- لإنشاء الهوائيات ولصنع الأسلاك المغناطيسية التي تقوم الفنادق بحياكتها ضمن المناشف لمنع العملاء من سرقتها. ولكن أنجل وزميليه المتعاونين معه -أندرياس شيفر من معهد فرانسيس كريك ونيك ميلوش من جامعة ستانفورد- أدركوا بأن هذه المواد من شأنها أن تسمح لهم بالاتصال الكهربائي مع أعداد كبيرة من خلايا الدماغ في وقت واحد.

وقال أنجل بأن فريقه قام بطلب لفات من الأسلاك ثم بجمع الشرائط مع بعضها في أكبال تبلغ ثخانتها 10 آلاف سلك. تمكّن الفريق من جعل أحد طرفي الأسلاك مدبباً، وخلق سطح يشبه الفرشاة يمكنه اختراق الدماغ بشكل مماثل للإبر. وقال أنجل بأن ثخانة الأسلاك تمت معايرتها بحيث تكون قوية بما يكفي لكيلا تتعرّض للانثناء أثناء دفعها إلى الدماغ، ولكن رقيقة بما يكفي لعدم إحداث الكثير من الضرر.

وتم إلصاق الأطراف الأخرى من الأسلاك مع بعضها، ثم تلميعها وضغطها على معالج دقيق يحتوي على عشرات الآلاف من “وحدات التفريغ” المتباعدة عشوائياً، والتي يرتبط بعضها بالأسلاك. تقوم هذه الوحدات باكتشاف الإشارات الكهربائية التي يتم نقلها من الدماغ من خلال الأسلاك بحيث يمكن تحليلها. ويقول أنجل بأن “توصيل” الكثير من الأسلاك هو ما أعاق هذه الفكرة في الماضي.

يتمثّل الهدف النهائي لشركة بارادروميكس بإنشاء اتصال عالي الكثافة مع مركز الكلام في الدماغ، الأمر الذي يمكن أن يتيح للشركة الإصغاء إلى الكلمات التي يفكّر الشخص في قولها. ولكن نجاح هذه التقنية من شأنه أيضاً أن يزيد قدرة علماء الأعصاب على الإصغاء بشكل كبير أثناء توليد مجموعات ضخمة من الخلايا العصبية لسلوكيات معقدة أو ربط المحفزات الحسية أو حتى خلق الوعي بحدّ ذاته.

المزيد من المقالات حول الآلات الذكية

  1. Article image
  2. Article image
  3. Article image
error: Content is protected !!