Article image
مصدر الصورة: إم إس تك عبر جيتي



إذا لم نتوخّ الحذر، قد تدوم التأثيرات السلبية لزحف هذه المراقبة لفترة طويلة بعد الوباء.

2020-10-13 01:29:24

12 أكتوبر 2020

مع بدء انتشار كوفيد-19 في وقت سابق من هذا العام، سرعان ما اتَّضح أن السجون والمعتقلات معرَّضة بشكل خاص لتفشي المرض. واستجابة لهذه المخاوف، باشرت أنظمة العدالة الجنائية في مختلف أنحاء العالم البحثَ عن بدائل لإيداع المُدانين في السجن.

وقد وجدت ضالتها في أجهزة المراقبة الإلكترونية المثبتة على الكاحل [سوار الكاحل]؛ حيث قامت باستخدام هذه التكنولوجيا لنقل الأشخاص بسرعة من مكان الاحتجاز الآمن إلى الأمان النسبي في منازلهم، وإخضاعهم لمراقبة إلكترونية مستمرة. وفي الوقت نفسه، بدأت المحاكم في الولايات المتحدة وأستراليا في تجربة استخدام أجهزة المراقبة المثبتة على الكاحل لغرض مختلف تماماً، ألا وهو: إنفاذ أوامر الحجر الصحي.

لقد أدى الوباء إلى تطبيعٍ سلس للاستخدام الموسَّع لأجهزة المراقبة المثبتة على الكاحل في جميع أنحاء العالم. إنها نزعة مثيرة للقلق، ويجب ألا نسمح بمرورها دون إخضاعها للدراسة والتدقيق. وتشير الأبحاث السابقة إلى أن أجهزة المراقبة المثبتة على الكاحل لا تقلل بشكل حاسم من معاودة ارتكاب الجرائم، ولا تتمتع هذه التكنولوجيا بسجل تاريخي لاستخدامها كأداة لفرض الامتثال لأوامر الصحة العامة. في الواقع، فإن الانتقادات –المتكررة والقائمة منذ أمد طويل ضد أجهزة المراقبة- تدور حول أن استخدامها يسبب ضرراً جسيماً.

على سبيل المثال، يمكن لأجهزة المراقبة المثبتة على الكاحل أن تفرض أعباء مالية على الأشخاص الذين يرتدونها، الذين غالباً ما يُطلب منهم تحمُّل نفقات ارتداء جهاز المراقبة بأنفسهم؛ حيث يدفعون للشركات الخاصة -التي توظفها الولايات والمقاطعات- رسوماً تتراوح بين 3 دولارات و35 دولاراً في اليوم، وبالتالي قد تصل تكلفتها إلى مئات الدولارات شهرياً. وقد دفع نظام الرسوم هذا البعض إلى تشبيه أجهزة المراقبة المثبتة على الكاحل بشكل حديث من سجن المَدينين [وهو سجن مخصص للأشخاص غير القادرين على دفع ديونهم، وكان مستخدماً في القرن التاسع عشر].

علاوةً على ذلك، تسبب أجهزة المراقبة لبعض مرتديها إزعاجاً جسدياً أو آلاماً، وتحمِّلهم وصمة عار اجتماعية؛ نظراً لارتباط هذه الأجهزة إلى حدٍّ كبير بنظام العدالة الجنائية وبمرتكبي جرائم العنف على وجه التحديد. وفي هذا السياق، فإن إلزام الأشخاص بارتداء جهاز مراقبة مثبَّت على الكاحل يشبه ارتداء سجل إجرامي على جسد المرء مثل حرف قرمزي رقمي [الحرف القرمزي هو إشارة إلى حرف A قرمزي اللون، كان يُجبر المدانون بجرائم الزنا (Adultery) في القرن السابع عشر على ارتدائه].

ومما زاد الطين بلة هو أن أجهزة المراقبة المثبَّتة على الكاحل معرَّضة لأخطاء فنية مثل فقدان الإشارة وتشويشها، وعمر البطارية القصير للغاية، والتنبيهات غير الدقيقة المُرسَلة إلى وكالات المراقبة. ومن شأن مثل هذه الأخطاء أن تزيد من تعقيد وصعوبة الحياة على الأشخاص المُلزَمين بارتدائها.

لقد حدث الارتفاع الأخير في استخدام أجهزة المراقبة دون اهتمامٍ كافٍ بتداعياتها على الأشخاص الذين يرتدونها وعلى محيطهم الاجتماعي. إنها حالة واضحة من “زحف المراقبة”: أي نمو تكتيكات وأنظمة المراقبة بما يتجاوز الظروف التي كانت مخصصة للعمل ضمنها بادئ الأمر. 

مراقبة على مدار الساعة

في جميع أنحاء العالم، أدى الانتشار السريع لفيروس كورونا إلى اتخاذ العديد من إجراءات الصحة العامة ذات الطبيعة التدخلية؛ حيث قامت عشرات الحكومات بطرح تطبيقات لتتبع الاحتكاك. وفي الصين، تم إلزام الأشخاص بارتداء سوار رقمي على المعصم وتنزيل تطبيق ستاي هوم سيف (StayHomeSafe)، اللذَين تم استخدامها معاً لفرض أوامر الحجر الصحي. وتلقَّى المسافرون العائدون إلى الهند وبنجلاديش أختاماً على أيديهم للإشارة إلى أنهم يجب أن يكونوا في الحجر الصحي. وفي الولايات المتحدة، أصدرت بعض الولايات أوامر البقاء في المنزل وقرارات الالتزام بارتداء الكمامة.

ومع ذلك، وبخلاف هذه التدابير المتعلقة بالفيروس، فإن الاستخدام المتزايد لأجهزة المراقبة المثبَّتة على الكاحل لن ينتهي بالضرورة عند انتهاء حالة الطوارئ الصحية. يعود استخدام أجهزة المراقبة المثبَّتة على الكاحل إلى ما قبل ظهور الفيروس، ومن غير الواضح كيف سيتم إعادة تقييم استخدامها المكثف بعد انحسار التهديد الذي يمثله الفيروس.

إن اتخاذ إجراءات حاسمة لحماية الأشخاص من الفيروس يجب ألا يحول دون التفكير الدقيق حول نشر وتطبيق التكنولوجيا، ولا سيما في حال وجود مشاكل معروفة ترتبط بالتكنولوجيا المعنية.

كانت أجهزة المراقبة الإلكترونية المثبَّتة على الكاحل مستوحاة في الأصل من كتاب رسوم مصورة للرجل العنكبوت (Spider-Man) والمعدات الإلكترونية المستخدمة لمراقبة الأبقار، وتم تطويرها في البداية في الولايات المتحدة لفرض الإقامة الجبرية في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي. واليوم، يتم استخدامها باستمرار في جميع الولايات الخمسين ومقاطعة كولومبيا لتنفيذ أوامر الإشراف في فترات الإفراج المشروط ووضعهم تحت المراقبة والإفراج ما قبل المحاكمة.

في السنوات الأخيرة، انتشر استخدام أجهزة المراقبة المثبَّتة على الكاحل خارج نظام العدالة الجنائية؛ حيث يتم استخدامها حالياً لمراقبة المهاجرين الذين يدخلون الولايات المتحدة وكندا دون وثائق، ورصد المراهقين المتغيبين، وتتبع كبار السن المصابين بأمراض إدراكية. 

بين عامي 2005 و2015، ارتفع عدد الأشخاص الذين تمت مراقبتهم باستخدام هذه التكنولوجيا في الولايات المتحدة بنسبة 140%، من حوالي 53,000 إلى 125,000 شخص. وتشير تقديرات بلومبيرج إلى أن الوباء الحالي قد أدى إلى ارتفاع عدد الأشخاص الذين يرتدون أجهزة المراقبة الإلكترونية المثبتة على الكاحل في جميع أنحاء العالم بنسبة تتراوح بين 25% و30%. كما أوردت بلومبيرج في يوليو أن المكتب الفدرالي للسجون الأميركية وحده قد وضع ما يقرب من 4,600 شخص في الحجز المنزلي منذ نهاية مارس، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 160% عن أرقام ما قبل كوفيد-19.

يقول مسؤولو العدالة الجنائية إن أجهزة المراقبة المثبَّتة على الكاحل تقلِّل من العبء المالي الذي تفرضه منشآت الاحتجاز على الدولة وتضمن في الوقت نفسه امتثال الناس لشروط الإفراج عنهم. حتى إن بعض المحامين قد دافعوا عن “حق موكليهم في الخضوع للمراقبة”، بحجة أن الخضوع للمراقبة على مدار الساعة أفضل من الظروف اللاإنسانية في السجون.

ومع ذلك، فإن هذه المواقف تصنِّف نسبياً أجهزة المراقبة المثبَّتة على الكاحل باعتبارها “أفضل من” السجن، وتتجنب خوض النقاش العميق حول بربرية الأجهزة نفسها.

إن المقارنات بين أجهزة المراقبة المثبَّتة على الكاحل والأحرف القرمزية دفعت البعض إلى اقتراح تغيير عامل الشكل (الحجم المادي للجهاز وشكله ومظهره) باعتباره قد يخفف من بعض أضرار هذه التكنولوجيا. وقد ذهب أحد أعضاء مجلس المدينة في ولاية أوهايو مؤخراً بعيداً في ذلك، إلى حدّ القول بأن زراعة شرائح إلكترونية مُصغَّرة في أجسام الأشخاص سيمثِّل بديلاً مناسباً، مضيفاً أن زراعة هذه الشرائح في أجسام المحتجزين قبل المحاكمة “لا يمكن أن يوصف بأنه لا إنساني لأننا نقوم بالأمر نفسه مع حيواناتنا الأليفة”.

في حين أن مثل هذه المقترحات تعترف بالوصمة المرئية التي تسبِّبها أجهزة المراقبة المثبَّتة على الكاحل للأشخاص الذين يرتدونها، فإنها تمثِّل حلولاً خاطئة؛ إذ إنها تتعامل مع قضايا حقوق الإنسان والحقوق المدنية بصفتها مشكلة في التصميم وتدعو صراحة إلى تطبيق المزيد من أساليب التتبع التي تنتهك خصوصية الناس.

هناك جهود أخرى لإعادة تصميم أجهزة المراقبة من خلال تسهيل قيام جهات إنفاذ القانون بتحليل البيانات التي تجمعها الأجهزة، أو تمكين الأجهزة من العمل بشكل متوافق مع غيرها من أنظمة المراقبة. ورغم ذلك، يبقى تصميم أجهزة المراقبة في حدّ ذاتها ثابتاً ولا يشهد أي تطوير. ولا تؤدي أي من هذه الإصلاحات المزعومة إلى تخفيف فوري للأذى الحقيقي -المادي والرقمي- الذي تسبِّبه هذه التكنولوجيا.

أغلال رقمية

على الرغم من أهمية البحث عن بدائل كريمة وأخلاقية لسجن الأشخاص، لكن أجهزة المراقبة الإلكترونية المثبَّتة على الكاحل لا تُعد حلاً ناجعاً من الناحية الأخلاقية أو التكنولوجية. بدلاً من القول بأن أجهزة المراقبة المثبَّتة على الكاحل تمثِّل خياراً “أفضل من” وحشية السجن الجماعي أو “حلاً” للأزمات الصحية الوبائية الخطيرة في السجون والمعتقلات، ينبغي على العاملين في نظام العدالة الجنائية التفكير في كيفية الابتعاد تماماً عن استخدام أجهزة المراقبة، طالما أن التراجع عن استخدام هذه التكنولوجيا لن يؤدي إلى ارتفاع معدلات إيداع الأشخاص في السجن.

إذا لم نتحرّك الآن، فإن التوسع في استخدام أجهزة المراقبة المثبَّتة على الكاحل أثناء الجائحة قد يصبح دائماً. ليس هناك حتى الآن خطة واضحة لكيفية التراجع عن الاستخدام الموسع لهذه التكنولوجيا المثيرة للقلق بمجرد السيطرة على الوباء.

ينبغي على علماء الاجتماع والمدافعين عن حقوق الإنسان والشخصيات الحكومية والمشرِّعين وصانعي السياسات وأعضاء المجتمع والتقنيين أن يجتمعوا باستمرار و”يعملوا مع بعضهم البعض” على تصميم مستقبل تكنولوجي أكثر عدلاً وكرامةً وإنسانية” يهتم بالاحتياجات الدقيقة لمختلف المستخدمين والسياقات الاجتماعية. يمكننا أن نبدأ برفض صنع أو استخدام أي أغلال رقمية إضافية ورفض السماح لزحف هذه الأغلال أن يمتد بوصة إضافية واحدة- أو حالة استخدام واحدة- إلى الأمام.


شارك